هل يُعدُّ العجز عن العفو والتسامح نقص إيمان أو نفاقًا؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الابتلاءات والمصائب
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 61
  • رقم الاستشارة : 4291
07/03/2026

السلام عليكم

أنا سيدة ملتزمة والحمد لله، وبحب ربنا جدًا، وعارفة إن العفو عند المقدرة من شيم الكرام، لكن أنا اتعرضت لظلم كبير وكسرة نفس من حد قريب مني. والظلم ده مكنش مجرد موقف وعدى، ده كان إهانة لكرامتي وتجريح فيّ قدام الناس. وكل ما أحاول أقول خلاص هسامح عشان خاطر ربنا، بلاقي نار قايدة في قلبي، وبحس إني لو سامحت هبقى بضيع حقي أو برخص نفسي زيادة، وقلبي مش مطاوعني أبدًا.

فهل أنا كدة آثمة أو منافقة عشان مش قادرة أصفي قلبي من ناحيتهم؟

وهل العفو إجباري عليا في كل الحالات، وللا ربنا سبحانه وتعالى عاذر الإنسان لو كان الوجع فوق طاقته؟

خايفة أكون مقصرة في حق ربنا أو إيماني فيه مشكلة، أرجوكم طمنوني وقولولي أتعامل إزاي مع الحالة دي.

الإجابة 07/03/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

 

مرحبًا بك أختي الكريمة، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يفرغ عليك صبرًا، ويجبر كسرك جبرًا يليق بكرمه، وأن يملأ قلبك طمأنينة ورضا، وبعد...

 

هل أنت آثمة أو منافقة لعدم قدرتك على العفو؟

 

أطمئنك تمامًا: لست آثمة، وحاشاك أن تكوني منافقة. فالله -سبحانه وتعالى- هو الذي خلقنا، وهو أعلم بتركيبتنا النفسية، ويعلم أن الظلم له حُرقة في القلب. والشعور بالألم والغضب تجاه من آذاك هو رد فعل طبيعي وفطري، والشرع لا يحاسبنا على مشاعر القلوب التي لا نملك التحكم فيها، وإنما يحاسبنا على الأفعال والأقوال.

 

يقول الله -تعالى- في كتابه الكريم: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء: 148]. تأملي كيف استثنى الله «من ظُلِم»؛ فقد أعطاه الحق في التعبير عن ألمه والجهر بمظلمته، وهذا تقرير رباني بعظم وقع الظلم على النفس. فإذا كان الله قد سمح لك بالقول، فكيف يلومك على مجرد مشاعر ألم في قلبك؟

 

هل العفو إجباري؟

 

العفو في الإسلام درجة عالية من درجات الإحسان، وليس واجبًا يأثم تاركه. إن الله -عز وجل- شرع «العدل»، وأمر بـ«الفضل»، والعدل هو أن تأخذي حقك أو أن تبغضي من ظلمك، أما الفضل فهو العفو.

 

ولقد وضع الله لنا القاعدة بوضوح في قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: 40].

 

ولاحظي الترتيب في الآية:

 

1- أَثبتَ الحق في المعاملة بالمثل (العدل).

 

2- ثم رغَّب في العفو وجعل أجره «على الله» مباشرة (الفضل).

 

3- ثم ختم بأنه سبحانه «لا يحب الظالمين» ليطمئن قلبك بأن من ظلمك لم يخرج من دائرة علمه وعدله، جل وعلا.

 

فأنت لست مجبرة على العفو إذا كان الجرح غائرًا ويصعب التجاوز عنه الآن. إن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ووسعك الآن قد لا يتحمل «الصفح الجميل»، وهذا لا ينقص من قدرك عند الله.

 

هل العفو ترخيص للنفس وضياع للحق؟

 

هذا الاعتقاد مدخل من مداخل الشيطان ليمنعك من نيل مراتب العز. إن العفو لا يكون عفوًا حقيقيًّا إلا إذا كنتِ قادرة على أخذ حقك أو الرد، ومع ذلك تركتِه لله. ويقول النبي ﷺ: «ما زاد اللهُ عبدًا بعفو إلا عزًّا» [رواه مسلم]. والعفو الذي يقصده الشرع هو الذي ينبع من قوة وترَفُّع، لا من ذل واستكانة.

 

وتأملي قصة الصديق أبو بكر -رضي الله عنه- مع مِسْطَح بن أثاثة، الذي كان قريبًا لأبي بكر وكان يعيله، ومع ذلك خاض مِسْطَح في حادثة الإفك التي مُسَّ فيها عرض السيدة عائشة رضي الله عنها (ابنة أبي بكر). تخيلي حجم الألم! إهانة في الشرف وتجريح أمام الناس من شخص يُحسِن إليه! فحلف أبو بكر على ألا ينفق عليه ثانية، فأنزل الله قوله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 22].

 

عندما سمع أبو بكر -رضي الله عنه- هذه الآية قال: «بلى، والله إني لأحب أن يغفر الله لي»، وأعاد النفقة.

 

لاحظي أن الله خاطب أبا بكر بلقب «أُولُو الْفَضْلِ»، فالعفو مرتبة «أهل الفضل»، فإذا لم تستطيعي الوصول إليها الآن، فما زلتِ في دائرة «أهل الإيمان والعدل».

 

كيف تتعاملين مع النار التي في قلبك؟

 

إليك هذه الخطوات العملية لتجاوز هذه الحالة النفسية:

 

1- افصلي بين المسامحة والمصالحة: يمكنك أن تسامحي (أي تتركي الحساب لله وتطفئي نار الغضب) دون أن تضطري للعودة للتعامل مع هذا الشخص كما كان سابقًا. ليس من قلة الإيمان أن تضعي حدودًا تحميك من التجريح مرة أخرى؛ فالمؤمن لا يُلدغ من جُحر مرتين.

 

2- فرِّغي الغضب بالدعاء: عندما تشعرين بالغضب وحرقة القلب، توجهي إلى الله بالدعاء: «اللهم إني مغلوب فانتصر»، «اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها»، «وأفوض أمري إلى الله»، «اللهم اربط على قلبي، ونقِّه من الغل والحقد»، وتذكري أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.

 

3- لا تضغطي على نفسك: فالعفو رحلة وليس قرارًا لحظيًّا بتصفية القلب في يوم وليلة. ابدئي بترك الدعاء عليهم، ثم انتقلي لترك ذمِّهم، ومع الوقت ستجدين أن الموقف صغُر في عينك لأن الله كبُر في قلبك.

 

4- التمسي عوض الله: عندما تشعرين بـ«كسرة النفس»، تيقني بأن الله سيعوضك، ويجبر قلبك. إن العز الذي ستجدينه في سجودك ومناجاتك لله، ثم رؤية العوض والنصرة، سيعوضك عن كل كلمة إهانة قيلت في حقك أمام البشر.

 

وختامًا يا ابنتي، إن الله يرى وجعك، فلا تسمحي للشيطان بأن يُشعرك بالذنب فوق وجع الظلم. أنت إنسانة، ومن حقك أن تتألمي، ومن حقك ألا تصفحي فورًا. خذي وقتك في التعافي، واعلمي أن الله يعذر ضعفنا، ويقدر جهادنا لأنفسنا.

 

أستودع الله قلبك، وأسأله أن يرضيك حتى ترضي.

 

روابط ذات صلة:

ما مفهوم التسامح؟ وهل نحتاج إليه؟

عاقبة اللاتسامح

الرابط المختصر :