الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الابتلاءات والمصائب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
148 - رقم الاستشارة : 3788
09/01/2026
السلام عليكم ورحمة الله، وجزاكم الله خيرًا على ما تقدمونه من نفع للناس.
أنا رجل (35 عامًا) مررت خلال الأشهر الماضية بظروف طحنت روحي طحنًا؛ فقد بدأت بفقد والدي الذي كان سندي الحقيقي بعد الله، وبعدها خسرت وظيفتي إثر أزمة مالية في الشركة، فوجدت نفسي فجأة عاجزًا عن تلبية متطلبات بيتي وأطفالي.
ما يؤلمني أكثر هو شعوري بأن الأبواب قد سُدّت في وجهي؛ ليس فقط أبواب الرزق، بل حتى أبواب القلوب؛ فقد خذلني أقرب الناس إليَّ في وقت كنت أحوج ما أكون فيه لشد الأزر، حتى شعرت بأنني غريب ومرفوض.
في ظل هذا كله تذكرت رحلة الإسراء والمعراج التي وقعت للنبي ﷺ، وخطرت لي خاطرة؛ فقد تأملت حال النبي ﷺ قبل هذه الرحلة، وكيف أنه كان يمر بضغوط شديدة تشبه ما أعيشه الآن -مع الفارق العظيم طبعًا- من فقد للسند (خديجة وأبي طالب)، وتنكر الناس له وخذلانهم إياه (أهل الطائف)، فكانت الرحلة تسرية إلهية خففت عنه وأسعدته.
قلت في نفسي: أنا أحتاج لرحلة مثل الإسراء والمعراج! وأنا أعلم يقينًا أن هذا لن يكون بالطبع على الحقيقة. لكن هل أستطيع أن أستلهم من تفاصيل رحلة الإسراء والمعراج بشقّيها الأرضي والسماوي دروسًا تفيدني في حالتي هذه إيمانيًا ونفسيًا؟
كيف أحول تذكُّري لهذه الرحلة الجليلة إلى بلسم يداوي جراح الخذلان والفقر وفقد الأحبة، ويخرجني مما أنا فيه من هم وضيق؟
وجزاكم الله خيرًا.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أيها الأخ الفاضل، وأشكر لك ثقتك بنا وبوحك لنا بما أثقل كاهلك، وأسأل الله العلي القدير، جابر المنكسرين، ومغيث المستضعفين، أن يربط على قلبك برباط الصبر والسكينة، وأن يبدل حزنك فرحًا، وضيقك مخرجًا، وعسرك يسرًا، وأن يفتح لك أبواب رزقه من حيث لا تحتسب، ويجعل لك من كل هم فرجًا، وبعد...
فلقد وصفت -أخي العزيز- حالك بكلمات تدمي القلب؛ لكنها في الوقت ذاته تنم عن نفس مؤمنة، متصلة بالله، تبحث عن النور وسط الظلام. إن ما تمر به أحسبه مخاضًا لولادة إنسان جديد أكثر صلابة وقربًا من الله.
وتأملك في رحلة الإسراء والمعراج هو توفيق إلهي عظيم؛ فهذه الرحلة لم تكن مجرد معجزة خارقة للعادات؛ بل كانت رسالة سماوية لكل من ضاقت به الأرض بما رحبت.
«عام الحزن» وجبر الخواطر الإلهي
قبل أن يصعد النبي ﷺ إلى السماء، كانت الأرض قد ضاقت عليه. فقد توفيت زوجته خديجة -رضي الله عنها- التي كانت سكنه النفسي، وتوفي عمه أبو طالب الذي كان درعه الذي يحميه من أذى قومه. ثم ذهب للطائف طالبًا النصرة، فقوبل بالحجارة والاستهزاء، حتى قال كلماته المشهورة التي تقطر انكسارًا لله: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس» [الطبراني في المعجم الكبير].
والدرس المستفاد لك من هذا، أن فقدك لوالدك (السند) وخسارة وظيفتك (المصدر) وخذلان الأقربين (الألم النفسي) هو مرحلة تخلية قبل تحلية. فالله -عز وجل- يخلي قلبك من الاعتماد على الأسباب الأرضية ليعلقك بـ«مسبب الأسباب».
إن الانتقال من الحزن الكئيب إلى المعراج المجيد يمنحك أملًا حقيقيًّا في أن ما تمر به الآن من ضيق هو مجرد مقدمة لفتح رباني عظيم. فالفجر لا يبزغ إلا بعد اشتداد الظلمة، والمعراج لم يكن ليأتي إلا بعد أن ثبت النبي ﷺ ثباتًا أسطوريًّا في الطائف؛ فكن موقنًا بأن الله يمهد لك الرفعة والتمكين.
المستحيل هين عند الخالق
في رحلة الإسراء، طويت المسافات والزمن، وهو ما يتجاوز قوانين الفيزياء والمادة. يقول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1].
وتستلهم هذا في واقعك بأنك يجب أن تربي نفسك من خلال هذه المعجزة على أن قدرة الله لا تحدها قوانين الأرض التي تحبطك الآن. قد ترى في «قوانين السوق» أو «الأزمة المالية» مستحيلًا يمنعك من الرزق، لكن «المستحيل» في نظرك هو «هين» عند الخالق. فالذي طوى للنبي ﷺ مسافات الشهور في لحظة، قادر على أن يطوي لك سنوات التعب في لمحة بصر، ويفتح لك بابًا للرزق لا يخضع لحسابات البشر المادية. لا تنظر لضيق الأسباب؛ بل انظر لسعة رب الأسباب.
الارتفاع فوق الجراح
في المعراج، تجاوز النبي ﷺ السماوات السبع، ووصل إلى سدرة المنتهى. هناك، رأى ملكوت السماوات والأرض، ورأى الجنة ونعيمها.
وتستفيد من تأمُّل هذا أنك حين ترتفع بروحك نحو السماء من خلال العبادة والتدبر، ستصغر في عينيك الدنيا بكل همومها. ستدرك أن خسارة وظيفة هي أمر تافه في ملكوت الله الواسع، وأن خذلان البشر هو طبعهم، بينما كرم الله هو وعده.
إنك لست وحدك في البلاء؛ فكل عظيم مر بما تمر به. تذكر يوسف -عليه السلام- الذي خذله إخوته (أقرب الناس) وبيع كعبد، ثم صار عزيز مصر.
الصلاة معراج يومي
أهم عطاء في رحلة الإسراء والمعراج كان فرض الصلوات الخمس. يقول العلماء: «الصلاة معراج المؤمن». فحين تشعر بضيق الصدر من ديونك أو احتياج أطفالك، تذكَّر أن الله فرض الصلاة في السماء لتكون صلتك به مباشرة.
ولكي تحول صلاتك من حركات روتينية إلى وسيلة للعروج الروحي بعيدًا عن ضجيج المشاكل والديون، اتبع ما يلي:
- استحضر عظمة مَن تقابل: قبل تكبيرة الإحرام، تذكَّر أنك الآن تترك الأرض بهمومها لتقف بين يدي ملك الملوك.
- الدعاء في السجود: ناجِ ربك في السجود بكل ما أوتيت من ألم؛ فهو الذي قال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45].
- التدبر في الآيات: اقرأ آيات تتحدث عن الفرج والقدرة الإلهية، واشعر أن الله يخاطبك أنت شخصيًّا.
الثبات أمام المشككين
عندما عاد النبي ﷺ وأخبر الناس بالرحلة، كذّبه المشركون، ولكن برز موقف الصديق أبو بكر -رضي الله عنه- الذي قال: «إن كان قال فقد صدق».
في بيئتك، قد تواجه كثيرًا من الأفكار المادية التي تقدس «الأسباب» وتكفر بـ«المعجزات» والبركة الإلهية، وقد تجد من يسخر من التزامك أو يقينك بالله في ظل ظروفك الصعبة. فتعلَّم من ثبات أبي بكر أن تتمسك بمبادئك الدينية رغم سخرية الواقع أو غرابة الالتزام في نظر البعض.
الثبات على الحق في وقت التشكيك هو الذي يرفع قدر المؤمن. فلا تسمح للماديين أن يسرقوا يقينك بالله؛ فالعقل الذي لا يؤمن إلا بما يرى هو عقل محدود، أما روحك فقد آمنت بخالق الغيب، وهذا هو سر قوتك.
اليقين بعد المحنة
عاد النبي ﷺ من رحلة الإسراء والمعراج بروح جديدة، واثقة، رغم أن واقع مكة لم يتغير فورًا! استمر الإيذاء؛ لكن قلبه كان قد مُلئ بنور اليقين.
فنصيحتي لك:
- بادر بالعمل: ابحث عن أي عمل مهما كان بسيطًا، فالله يبسط الرزق لمن يسعى.
- اعفُ واصفح: خذلان الأقارب مؤلم، لكن تذكر قول الله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: 22]. وقول يوسف -عليه السلام- لإخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: 92].
- الثقة بالعوض: الله الذي أكرم نبيه بالإسراء بعد عام الحزن، سيكرمك بفتح مبين بعد صبرك هذا.
وختامًا أخي الحبيب، إن رحلة الإسراء والمعراج تخبرنا أن الضيق لا يدوم، وأن المنحة تولد من رحم المحنة. أنت الآن في نفق مظلم نهايته نور بإذن الله. تمسَّك بحبل الله، واعلم أنه -سبحانه- قادر على أن يُذهب همك في ليلة ويبدلك مكانه فرجًا ويسرًا.
فاللهم يا مؤنس كل وحيد، ويا صاحب كل فريد، ويا قريبًا غير بعيد، ويا شاهدًا غير غائب، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام؛ أسألك أن تجبر قلب أخينا جبرًا يليق بكرمك، وأن تفتح له أبواب الرزق الحلال، وتغنيه بفضلك عمن سواك، وتجمع شمله بوالده في جنات النعيم، وتسخر له من عبادك أرحمهم وأكرمهم، وتجعل ما مر به طهورًا ورفعة له في الدنيا والآخرة. اللهم آمين.
روابط ذات صلة:
6 علامات للفرج بعد الشدة في الإسراء والمعراج
4 دروس مهمة للإنسانية من الإسراء والمعراج