الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
15 - رقم الاستشارة : 5437
30/07/2026
أنا امرأة موظفة وأتقاضى راتباً شهرياً ممتازاً، وزوجي يمر بضائقة مالية وديون متراكمة تكاد تسجنه؛ فهل يجوز لي شرعاً أن أعطي زكاة مالي السنوية لزوجي ليسدد بها ديونه، أم أن نفقة الزوجة واجبة عليه فلا يجوز دفع الزكاة له؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلا ومرحبا بك أختي الكريمة، وإن ما تقومين به
من الوقوف بجانب زوجكِ في أزمته المالية وسعيك لتفريج كربته وسداد ديونه هو موقف
نَبيل يُحمد لكِ شرعًا وعرفًا، ويجسد معاني المودة والرحمة التي جعلها الله أساسًا
للحياة الزوجية. ولما كانت الزكاة عبادة مالية لها أحكامها وضوابطها الدقيقة في
المصارف والأنصبة، فإن سؤالكِ عن مدى جواز دفع زكاتكِ الواجبة لزوجكِ الغارم هو
سؤال في محلّه لاستبراء الدين والتحقق من صحة العبادة.
وقبل الدخول في تفاصيل الفتوى، أرجو أن تقبلي مني هذه
النصيحة، فحق العشرة يوجب عليك مواساة زوجك من أصل مالك، ولو على سبيل الدين،
ولعلها كانت تلك حكمة الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله، أن الزوجة الغنية التي
تجب عليها الزكاة الأصل أن تواسي زوجها من أصل مالها وليس من حق الفقراء، صحيح أنه
ليس إلزامًا شرعيًّا، لكن العادة محكمة، والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، وقد جرت
عادة المسلمين بالمواساة ليس فقط بين الزوج والزوجة، بل أحيانا بين عائلتي الزوج
والزوجة، فالنسب كالقرابة له حق الصلة.
لكن هذا يخضع لحسابات العقل والمنطق، فلا يمكن أن نلزم الزوجة بإهلاك مالها على
زوج مستهتر أو سفيه، كلما اجتهد أخطأ، وكلما أقامته تعثر، فخير الأمور أوسطها.
اختصارًا:
يجوز شرعًا للمرأة أن تدفع زكاة مالها السنوية لزوجها
المعسر لسداد ديونه المتراكمة بصفته من الغارمين، بل إن إعطاءه أفضل وأولى من
إعطائها للأباعد؛ لما فيه من الجمع بين أجر الصدقة وأجر الصلة والتودد للزوج،
والعكس طبعًا لا يجوز؛ لأن نفقة الزوجة واجبة عليه فلا يعطيها من زكاته بل من أصل
ماله.
والعلة في ذلك أن نفقة الزوج ليست واجبة على الزوجة شرعًا،
وبالتالي فإن إعطاءها الزكاة له لا يسقط عنها واجبًا ماليًّا ولا يعود عليها بنفع
مباشر يحفظ مالها، بخلاف عكس الحالة إعطاء الزوج زكاته لزوجته الذي لا يجوز لأن
نفقتها واجبة عليه أصلاً.
ولكن هذا الحكم ينطبق على حالتكم فقط إذا كان معنى
الغارم المقصود في الشريعة ينطبق على زوجك، بمعنى أنه مستغرق بالديون وليس له مال
آخر يمكن أن يسدد منه، فبعضهم يفسر معنى الغارم بأنه من لا نقد له، وإن كان يملك
سيارة فارهة، وقصرًا أو شقة فاخرة، أو شركة كبرى قيمتها بالملايين وتدر عليه أرباحًا،
وفقط لأنه مدين للبضاعة التي يتاجر بها، أو تورط في حادثة وأصبح مدينًا، فلا بد
ليستحق المرء زوجًا كان أو غير زوج الزكاة تحت مسمى الغارم ألا يكون له فوق
الضروريات ما يسد به دينه، فإن كان له شيء من هذا فلا يستحق من الزكاة لا من زوجته
ولا من غيرها.
وتفصيلاً:
مذهب جمهور العلماء في مسالة دفع الزوجة زكاة مالها لزوجها
قال الإمام النووي في المجموع شرح المهذب ج 6 ص 229:
«يجوز دفع المرأة زكاتها إلى زوجها إذا كان فقيرًا أو غارمًا... وهو مذهب الشافعي
ومالك وأحمد وأبي يوسف ومحمد، ودليله حديث زينب امرأة ابن مسعود رضي الله عنهما».
وقال الإمام ابن قدامة في المغني ج 2 ص 487: «يجوز
للمرأة أن تعطي زوجها من الزكاة إذا كان غارمًا أو فقيرًا... لأن نفقة الزوج لا
تجب عليها، فلم تمنع من دفع الزكاة إليه كالأجنبي».
والدليل من السنة النبوية المطهرة ما روته زينب امرأة
عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما أنها أتت رسول الله ﷺ تسأله عن إعطاء زوجها
وأيتام في حجرها من زكاتها، فقال النبي ﷺ: «نَعَمْ، لَهَا أَجْرَانِ: أَجْرُ
القَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ» (رواه البخاري برقم 1466، ومسلم برقم 1000).
رأي الإمام أبي حنيفة في مسالة دفع الزوجة زكاة مالها لزوجها
يرى الإمام أبو حنيفة عدم جواز دفع الزكاة بين الزوجين
مطلقًا لا من الزوج لزوجته ولا من الزوجة لزوجها.
قال الإمام الكاساني في بدائع الصنائع ج 2 ص 50: «ولا
يدفع الرجل زكاته إلى زوجته، ولا المرأة إلى زوجها عند أبي حنيفة... لأن منافع
الأملاك بين الزوجين متصلة، فكان الدفع إلى أحدهما كالدفع إلى نفسه». علمًا بأن
المعمول به في المذهب الحنفي يعتمد رأي الصاحبين أبي يوسف ومحمد والموافق للجمهور
بالجواز.
الفتاوى الفقهية المعاصرة في مسالة دفع الزوجة زكاة
مالها لزوجها
اتفق العلماء المعاصرون ودور الإفتاء الرسمية على ترجيح
قول الجمهور بالجواز، لا سيما في حالة قضاء الدين:
في فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز قال رحمه الله: «يجوز
للمرأة دفع زكاتها لزوجها الفقير أو الغارم لسداد دينه؛ لأنها غير مكلفة بالإنفاق
عليه، فإذا أعطته من الزكاة لسداد دينه أو لنفقته ونفقة أولاده منها فلا بأس، بل
ذلك أفضل» (مجموع فتاوى ابن باز 14/304).
ومن فتاوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين قال رحمه الله:
«إعطاء الزوجة زكاتها لزوجها لسداد دينه أمر جائز بلا ريب؛ لأن سداد الدين لا
يستطيعه الزوج، والزوجة غير ملزمة بقضاء دين زوجها، فدفعها الزكاة له ليقضي دينه
يقع في مصرفه الشرعي وهم الغارمون» (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 18/250).
كما أفتت دار الإفتاء المصرية بجواز إعطاء الزوجة
الموسرة زكاتها لزوجها المعسر الغارم؛ تعزيزاً لمبدأ التكافل الأسري، ولتحقق شرط
مصرف "الغارمين" المذكور في القرآن الكريم.
القواعد الفقهية الحاكمة في مسالة دفع الزوجة زكاة مالها
لزوجها:
قاعدة: «يدور المنع من إعطاء الزكاة مع وجوب النفقة»
فالشارع يمنع إعطاء الزكاة للأصول والفروع والزوجة؛ لأن
المكلف يقي بها ماله الواجب في النفقة، ولما كانت نفقة الزوج غير واجبة على الزوجة
شرعًا، فقد انتفى سبب المنع وجاز الدفع.
قاعدة: «الصدقة على القريب صدقة وصلة»
وهي أصل شرعي مقرر يرفع رتبة الصدقة على الأقارب
والأزواج المحتاجين لتكون أعظم أجرًا من الصدقة على الأجنبي. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: