هل تجوز الشراكة في الربح فقط دون الخسارة؟

Consultation Image

الإستشارة 01/09/2026

السلام عليكم، يوجد شخص يشتري ملابس ليعرضها في معرض له للبيع، لكنه لا يملك مالا لاستئجار مكان أو دفع ثمن البضاعة، وهناك من يموله لكن ليس على سبيل الشراكة بل بإعطائه مبلغا واسترداده على أقساط مثلا 12 شهرا بنسبة ربح من البيع.. هل يكون الربح حلالا؟

الإجابة 01/09/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله ورعاك أن معاملة التمويل المذكورة تقوم على إعطاء مبلغ مالي للتاجر مع اشتراط استرداد الأصل كاملاً على أقساط محددة كالتقسيط مثلاً على عدد من الشهور وزيادة عليها نسبة من أرباح المبيعات. وتستدعي هذه المعاملة التكييف الشرعي الصحيح لتحديد مدى توافقها مع أحكام الشريعة الإسلامية وضوابط العقود المالية.

 

اختصارًا: هذه المعاملة محرمة ولا تجوز شرعًا بصورتها المذكورة، والربح المأخوذ منها ربًا صريحٌ لا يحلّ؛ وذلك للأسباب الآتية:

 

اشتراط ضمان رأس المال مع أخذ نسبة من الربح: يجمع هذا العقد بين ضمان رد الأصل وهي طبيعة القرض وبين ابتغاء الربح وهي طبيعة الاستثمار، والشريعة تنص على أن المستثمر لا يستحق الربح إلا إذا تعرض للمخاطرة وتحمّل تبعة الخسارة.

 

الانقلاب إلى قرض جَرّ نفعًا: متى ضمن الممول استعادة أصل ماله مقسطًا واشترط معه زيادة سواء كانت مبلغًا مقطوعًا أو نسبة من الأرباح، خرج العقد عن نطاق الشراكة أو المضاربة المقبولة وتحول إلى قرض ربوي.

 

البدائل الشرعية الصحيحة:

 

المضاربة الشرعية: يقدم الممول المال ويكون "رب المال"، ويقدم التاجر جهده ويكون "المضارب"، وتكون الأرباح مقسومة بينهما بنسبة مئوية شائعة. وإذا حدثت خسارة تجارية -دون تفريط أو تعدٍّ من التاجر- يتحملها الممول من أصل ماله، ويخسر التاجر جهده وعمله، ولا يجوز إرغام التاجر رد رأس المال أو ضمانه.

 

القرض الحسن: أن يعطيه المال على سبيل التيسير، ويسترد منه الأصل فقط عند الميسرة دون أي زيادة مشروطة، وللحفاظ على قيمة القرض من التضخم وهبوط القوة الشرائية، ويجوز الاتفاق عند كتابة عقد القرض على إجرائه بوزن معلوم من الذهب، أو بعملة أجنبية مستقرة كالدولار، فيسترد المقرض ما أقرضه من الذهب والدولار محافظًا على قيمته، ويشترط فيه كما نص قرار المجمع الفقهي رقم 75 أن يقبض المقترض ذهبًا أو دولارًا.

 

بيع المرابحة للآمر بالشراء: أن يشتري الممول البضاعة أو مستلزمات المعرض بنفسه ويملكها حقيقة، ثم يبيعها للتاجر بالتقسيط بربح معلوم ومحدد مسبقًا، وأنا أراه خيارًا مناسبًا جدًّا لحالتك ويبتعد بك عن واحدة من أكبر المهلكات لدين المرء ودنياه، فالربا حرب مع الله أعاذك الله منها، تبذل جهدًا بسيطًا وربما يفتح الله عليك فتصير تاجرًا كبيرًا يأخذ منك عشرات ومئات الناس البضاعة بالتقسيط.

 

وتفصيلاً:


الإجماع على بطلان ضمان رأس المال في المضاربة:

 

قال الإمام ابن قدامة المقدسي في المغني 5/22: «ومتى شرط على المضارب ضمان المال، أو سهمًا من الخسارة، فالشرط باطل. لا نعلم فيه خلافًا». وقال الإمام ابن عبد البر في الاستذكار 7/84: «أجمع أهل العلم على أن القراض لا يجوز فيه ضمان رأس المال للمقارِض».


الإجماع على حرمة القرض المشروط بنفع:

 

قال الإمام ابن المنذر في الإجماع ص: 109: «وأجمعوا على أن السلف إذا شرط فيه زيادة أو هدية، ففعل، أو أخذ، أن الزيادة ربا».


قرارات المجامع الفقهية الحديثة:

 

قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي - القرار رقم 130: أكد المجمع على أن «الأصل في عقد المضاربة أن رأس المال أمانة في يد المضارب، ولا يجوز ضمانه إلا في حالة التعدي أو التفريط»، وأن ضمان رأس المال يفسد العقد ويقلبه إلى قرض ربوي.

 

قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي القرار رقم 115 بشأن ربط الديون بتغير أسعار العملات/الذهب: أقر المجمع أنه يجوز عند نشأة القرض تلافيًا لتغير قيمة العملة أن يقوم الطرفان بإجراء عقد الدين بالذهب أو بعملة أخرى مستقرة يوم القرض، شريطة أن ينص العقد على ذلك بوضوح ونفي الحيلة الربوية.


القواعد الفقهية الحاكمة في الشراكة في الربح فقط دون الخسارة:

 

قاعدة: الغنْم بالغرْم

 

فمن يرجو الحصول على الربح والمكسب من مشروع ما، لا بد أن يكون مستعدًا لتحمل تبعات الخسارة والغرم فيه.

 

قاعدة: الخراج بالضمان

 

المنافع والأرباح المتولدة من عين أو مال تكون من حق من يتحمل تبعة هلاك هذا المال وخسارته.

 

قاعدة: كل قرض جر نفعًا فهو ربا

 

أي عقد اقترض فيه طرف مالاً واسترد المقرض أصل المال مع شرط منفعة زائدة، سواء كانت نسبة ربح أو خدمة، فهو ربا صريح مجمع على تحريمه.

 

وجوب وضوح العقود ونفي الجهالة والغرر

 

يشترط في الشريعة الإسلامية أن تكون العقود شفافة، محددة الالتزامات والأنصبة، خالية من الجهالة التي تؤدي إلى النزاع أو استغلال أحد الطرفين للآخر. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

مسئولية الشريك عند خسارة مال الشركة

الجمع بين سلف وبيع: كيفيته وحكمه وحكمته

التعليقات

الرابط المختصر :