ماطل في دفع أجرة البيت فقطعت الخدمات عنه.. فهل أنا آثم؟

Consultation Image

الإستشارة 17/08/2026

أمتلك بناية سكنية، وتأخر أحد المستأجرين عن دفع الإيجار لستة أشهر متتالية دون عذر واضح رغم يسره المادي، فقمت بقطع خط المياه والكهرباء عن شقته لأجبره على السداد أو الإخلاء؛ فهل يجوز لي شرعاً استخدام هذا الأسلوب للضغط عليه واسترداد حقي، أم يعتبر هذا تعدياً؟ وهل علي أي نوع من الضمان إن نتجت عن هذه الأعمال تلفيات أو خسائر في بيته؟

الإجابة 17/08/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله ورعاك أن عقد الإجارة من عقود المعاوضات التي يترتب عليها التزامات متقابلة بين المؤجر والمستأجر؛ فيلتزم المؤجر بتمكين المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة على الوجه المشروط أو المعتاد، ويسلمها له وهي صالحة للانتفاع، وفي مقابل ذلك يلتزم المستأجر بدفع الأجرة المتفق عليها في مواعيدها المحددة.

 

وإذا ما ماطل المستأجر الموسر في سداد الأجرة دون عذر شرعي، فإنه يعتبر بالشرع "مماطلاً ظالمًا"، إلا أن التظالم واستيفاء الحقوق باليد يخضع للأحكام الشرعية وضوابط "مسألة الظفر بالحق" ومجاري القضاء والسياسة الشرعية.

 

اختصارًا: يدور أمر المستأجر بين حالتين:

 

الأولى: أنه معسر فينبغي إن كان صاحب البيت من أهل اليسار إنظاره إلى حين ميسرة، وإلا فعليه أن يرفع أمره إلى القضاء ليأمر بإخلاء الدار.

 

الثانية: أنه موسر مماطل، وعليه فيده على البيت المؤجر يد غاصب، ويأثم ديانة، وعلى صاحب البيت اللجوء إلى القضاء ليلزمه بالدفع أو إخلاء البيت، ولكن لا يجوز شرعًا للمؤجر قطع خدمة المياه والكهرباء عن العين المؤجرة تلقائيًّا وبيد نفسه كوسيلة للضغط على المستأجر المماطل، بل يعتبر هذا التمادي نوعًا من التعدي واستيفاء الحق باليد خارج نطاق السلطة القضائية أو النظامية المكلفة؛ لأن المياه والكهرباء لا تنفك عن أصل منفعة السكن المطلوبة بالعقد، وفي قطعها إضرار بالعين وبالنفس والمال، والواجب هو رفع الأمر للقضاء أو الجهات المختصة لفسخ العقد أو إلزام المماطل بالسداد.

 

وإذا ترتب على قطع المياه أو الكهرباء تلفيات في أموال المستأجر كتلف الأطعمة أو الأجهزة أو حدوث أضرار جسيمة بمريض مثلا، فإن المؤجر يضمن هذه الخسائر والتلفيات؛ لأنه متعدٍّ بفعله، والمباشر للتلف يضمن ولو لم يتعمد الإضرار، استنادًا إلى قاعدة "الضرر يزال" وقواعد ضمان التعدي.

 

وللأسف في بعض الأحيان يضطر بعض الأفراد لسلوك طريق ملتف؛ لأن القوانين غير مفعلة، والتقاضي شاق ومكلف ومضن، ويكون المستأجر مماطلاً عن ظهر غنى فلو وجد صاحب الملك أن التهديد بقطع الخدمات، أو التلويح بالإيذاء دون القيام به قد يردع المماطل ويجنب المالك مشاق الطريق القضائي الممل؛ فالشرع لا يقبل الظلم، ولا يرضى به. ويمكنه التلويح بهذا في سبيل الوصول الى حقه.

 

وتفصيلاً:

 

جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة يتفقون على أن عقد الإجارة يوجب تسليم العين ومنافعها التابعة لها.

 

أما استيفاء الحق باليد المعروف بمسألة الظفر فله شروط ضيقة جدًّا؛ حيث ينص الفقهاء على أنه لا يجوز للمظلوم أن يستوفي حقه بطريقة تؤدي إلى إلحاق ضرر أشد، أو أن يأخذ غير جنس حقه، أو يعطل منفعة العين المقبوضة بعقد صحيح.

 

ويذكر الفقهاء في باب الغصب واستيفاء الحقوق أن من أكرى دارًا فليس له أن يمنع المستأجر من السكنى أو يفسد عليه منفعتها ما دام العقد قائمًا، وإن امتناع المستأجر عن الأجرة يثبت للمؤجر الحق في المطالبة والفسخ عند الحاكم، ولا يبيح له تخريب العين أو إزالة منافعها التابعة لها ذاتيًّا؛ لأن المستأجر لم يرضَ بتسليم الأجرة ولكنه يقبض العين بشرط انتفاعها المعتاد.

 

تذهب دور الفتوى المعاصرة ومنها الفتاوى الصادرة عن دار الإفتاء المصرية، والهيئات الشرعية بدول الخليج، ولجان الفتوى الرسمية إلى أن عقد الإيجار يتضمن التزامًا ضمنيًّا أو صريحًا بتوفير الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء إن كانت باسم المؤجر أو ملحقة بالعين.

 

وقطع المرافق والخدمات الأساسية عن المستأجر المماطل لا يجوز ديانة ولا قضاءً لما فيه من الإضرار والتعسف في استعمال الحق، وأنه يجب على صاحب البناية سلوك الطرق النظامية والقضائية لإلزامه بالإخلاء أو السداد، وأنه في حال قطعها وترتب على ذلك تلفيات فإنه يضمنها شرعًا.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في قطع الخدمات لمماطلة المستأجر في دفع الإيجار:

 

تخضع هذه المسألة لمجموعة من القواعد الفقهية الكلية التي تضبط تصرفات العباد في حقوقهم:

 

قاعدة: «الضرر لا يُزال بالضرر»

 

امتناع المستأجر عن سداد الأجرة ضرر ولا شك، ولكن لا يجوز للمؤجر دفع هذا الضرر بإنشاء ضرر آخر يعود بالتلف على المستأجر أو قطعه للمرافق الأساسية للحياة.

 

قاعدة: «الجواز الشرعي ينافي الضمان» وعكسها «التعدي يوجب الضمان»

 

لما كان قطع المياه والكهرباء تصرفًا غير جائز شرعًا خارج إطار القضاء، فإن ما يتولد عنه من تلفيات في ممتلكات المستأجر يعود بالضمان المالي على من تسبب فيه أو باشره، أما حماية الحق باسترداد الإيجار فهي مقيدة بعدم التعسف والإضرار، وقطع الخدمات الضرورية يعد تعسفًا خارجًا عن نطاق العقد. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

القانون يسمح لي والشرع يمنعني.. فكيف أفعل؟

الرابط المختصر :