الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
20 - رقم الاستشارة : 5363
19/07/2026
بمناسبة موسم الإجازات الصيفية هل يشكل الفراغ تحديا لذاتنا وتفكيرنا وما طبيعة هذا التحدي وكيف نستفيد من الفراغ في تنمية الذات؟
أخي الكريم، أتفق
معك أن الفراغ هو تحد للذات والتفكير، لكن ليس معنى التحدي أنه يرمز للفشل
والإخفاق، ولكن قد يكون التحدي محفزًا على النهوض والتطور والنمو، فالتحدي لغويًّا
يعني المباراة والمبارزة وطلب الغلبة؛ ولذا فهو بمثابة اختبار لاكتشاف القوة
والقدرة.
الفراغ فرصة
أخي الكريم، في
استشارة سابقة بعنوان "الفراغ نتاج المادية والحداثة " ذكرنا أن الفراغ قد
يكون من أزمات الإنسان الكبرى إذا كان فراغًا وجوديًّا لا يستطيع فيه الإنسان
إيجاد معنى لحياته، وهذا النوع من الفراغ يصاحبه في بعض الأحيان أمراض نفسية
كالتوتر والاكتئاب، وقد يكون محرضًا على ارتكاب جرائم أو الوقوع في بئر الإدمان،
أو كما تقول الفيلسوفة الفرنسية "سيمون ويل": "كل الذنوب هي
محاولات لملء الفراغ".
أما الفراغ الذي
نتناول في هذه الاستشارة فهو الفراغ الذي يعيشه الغالبية من الشباب في فترات معينة
في حياتهم مثل الإجازات الصيفية الطويلة، أو فترات ما بعد التخرج والبحث عن عمل،
فهذا الفراغ هو فرصة يمكن استثمارها لتنمية العقل والتفكير واكتساب المهارات.
الفراغ يعد من
التحديات التي يقابلها الكثير من البشر في حياتهم، لكن
طريقة الاستجابة والتفاعل مع الفراغ تختلف، فهناك استجابات إيجابية ترى الفراغ
فرصة لبناء الذات، وهناك من يراه فائضًا مرهقًا من الوقت؛ لأنه من
الصعب تنمية الذات في أوقات الضغوط والانشغالات وتزاحم الواجبات والمسؤوليات،
فبناء الذات من أهم واجبات الإنسان تجاه نفسه، وكما تقول الحكمة: "لا
يمكن للمرء أن يمتلك إتقانًا أعظم من إتقانه لنفسه"، أي تنميتها وإكسابها
المعرفة والمهارات.
في دراسة علمية
نشرت عام 2024م عن العلاقة بين إدارة وقت الفراغ
والرضا عن الحياة لفتت الانتباه إلى أهمية إدارة وقت الفراغ واستثماره
بصورة جيدة، وخلصت الدراسة إلى أن "الطلاب الذين يديرون وقتهم بفعالية
يتمتعون بجودة حياة أفضل"، وأن هذا يتطلب الاستخدام الفعال والكفء
والمتوازن لوقت الفراغ مع السعي لتحقيق الأهداف.
ابتعد عن التسويف
يلاحظ أن الشباب
يمتلكون وقت فراغ أكثر مقارنة بفئات المجتمع الأخرى، وأنهم يمتلكون بجانب ذلك
القدرة على توظيفه في التنمية الذاتية لقدراتهم ومهاراتهم، وهذا يتطلب ألا يغري
فائض الوقت والفراغ بأن يتعود الشخص على التسويف وتأجيل إنجاز المهام؛ فالفراغ
يغري بالتسويف، ومع التسويف تتآكل الرغبة نحو تنمية الذات، فتظل
الفكرة موجودة ولكن بلا تنفيذ.
في كتاب طريف
بعنوان "كــُلْ الضفدع: 21 طريقة رائعة للتوقف عن التسويف"
لـ"برايان تريسي" وهو أحد كبار رجال الأعمال والإدارة الأمريكيين، قدم
نصائح مفيدة، منها: ضرورة أن يخطط الشخص ليومه قبل أن يبدأ ذلك اليوم، وضرورة أن
يقسم المهام الصعبة إلى أجزاء؛ لأن ذلك يعطي قدرة على الإنجاز وحماسة في العمل،
وضرورة أن يحدد الشخص العقبات القائمة والمتوقعة وأن يعمل على إزالتها، وضرورة أن
يطور مهاراته حتى يتمكن من إنجاز أهدافه، وأن يكون له عادات جيدة تساعده لتحقيق
أهدافه، وأن يسعى لتحويل الأفكار إلى واقع ثم نتائج، حتى لا يكون تعامله مع وقته
في صورة تمنيات جوفاء فقط.
وهناك ثلاثة
عناصر أساسية لا بد من التمسك بها، وهي: القدرة على اتخاذ القرار
الصائب، والانضباط بمعنى التزام النظام والخطة والتحكم في إدارة الأمور، أما
العنصر الثالث فهو العزيمة أو الطاقة والقوة النفسية والإرادة والإصرار على
تحقيق الهدف.
وختاما أخي
الكريم، نذكرك
بالحديث النبوي الشريف الذي رواه البخاري، قال ﷺ: "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا
كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ؛ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ"؛ فالفراغ
نعمة عظيمة يجب ألا نعرض عنها إدراكًا واستثمارًا.
موضوعات ذات صلة:
لماذا يلجأ الشباب للتفكير التبريري؟