الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
8 - رقم الاستشارة : 5447
30/07/2026
ماذا نقصد بمفهوم الرجولة الهشة، وهل تؤثر هذه الحالة على الصحة النفسية للرجل واتزانه وعلاقته الاجتماعية ومستقبله المهني؟
أخي
الكريم، الرجولة
على مستوى المبنى والمعنى تتعرض لتهديد حقيقي، وهو تهديد رصدته أبحاث ودراسات
علمية رصينة وحذرت من خطورته، سواء لتراجع السمات والمميزات التي تميز الذكورة، أو
تراجع الأخلاقيات والقيم التي كانت يتميز الرجال، على اعتبار أن الرجولة شيء مكتسب
من خلال التنشئة والثقافة.
والمقصود
بهشاشة الرجولة في هذه الاستشارة هو حالة القلق النفسي والتوتر التي يشعر بها
الرجل عندما يعتقد أنه لا يستوفي المعايير الاجتماعية للرجولة والتي قد يكون بعضها
غير واقعي، وهذا التصور ينعكس على سلوكياته، سواء ببعض العدوانية خاصة ضد المرأة
إذا كانت ترأسه في العمل، وما يصاحبه من تعرض للنقد اجتماعي إذا اتسم ببعض الصفات
المميزة للأنوثة، سواء في الملبس أو الألوان أو طريقة الكلام.
الرجولة
مكتسبة
أخي
الكريم، الرجولة
شيء مكتسب، أي يتلقاه الفرد من بيئته الاجتماعية والثقافية التي تضع معايير
للرجولة، والرجولة في ذاتها تعني القدرة على تحمل المسئولية والنهوض بالواجبات
وأعبائها، مع التمسك بالأخلاق والشهامة، فهي تعني باختصار المزاوجة بين سمات القوة
والأخلاقيات الجيدة، وهي تعبر عن قوة نفسية وروحية، وبعض سمات النبل الأخلاقي.
والرجولة
في الاصطلاح القرآني هي: اتّصاف المرء بما يتّصف به الرّجل عادة من الإيمان والقوة
والشدة والسعي والجلادة ومكارم الأخلاق والنجدة والشهامة وغيرها من الصفات
المشابهة، ولهذا لا يعني أنها مقتصرة على الذكور، ولذا يمكن أن تتحلى بها بعض
النساء إذا أظهرن منظومة القيم المرتبطة بالرجولة في سلوكهن وأفعالهن.
كانت
بعض الثقافات القديمة عندما يبلغ الفتى مبلغ الرجال، لا بد أن يمر باختبارات قاسية
تؤكد أحقيته بأن يتسم بسمات الرجولة، ففي بعض البيئات كان على الفتى أن يبيت في
البرية يومًا أو بعض يوم، أو يخرج إلى الصحراء منفردًا، أو يصطاد حيوانات معينة،
على خلاف الأنوثة، حيث إن الفتاة تدخل إلى عالم الأنوثة من مدخل البيولوجيا، بلا
أي اختبار، ويصبح الحفاظ على الأنوثة هو ميزتها الحقيقة، أما الرجولة فلا
تأتي إلا بعد استحقاق، واعتراف اجتماعي، وهذا ما يجعلها قابلة
للفقد إذا لم يلتزم الشخص بأخلاقياتها.
وهذا
يذكرنا بقول "عائشة الحرة" والدة آخر ملوك غرناطة "أبو عبد الله
الصغير" الذي بكى عند سقوط مملكته، فقالت له: "ابكِ مثل النساء مُلكًا
لم تدافع عنه كالرجال".
وقد
تحدث علماء النفس عن ظاهرة "الخوف المزمن من فقدان الرجولة"، وفي
دراسة مهمة نشرت عام 2025م بعنوان "تأثير معايير الرجولة
التقليدية على استعداد الرجال لطلب الدعم النفسي" ذكرت أن المعايير
الذكورية التقليدية تجعل الرجال أكثر عرضةً لمشاكل الصحة النفسية، وهذه المعايير
مثل: ربط الرجولة بالنجاح والإنجاز أو الاستمرار في وظيفة أو مهنة معينة أو تحقيق
مستوى دخل معين، هذا يؤدي إلى معاناة الرجل وقد يعرضه لنوبات من التوتر والاكتئاب.
ولا
شك أن
المعايير السابقة تبدو في بعض الأحيان معايير جامدة، ولا تقدر بعض الإخفاقات
التي يتعرض لها الإنسان في مسار حياته، على خلاف المعايير الأخلاقية للرجولة مثل
الشهامة والمروءة والتضحية، فهذه تكاد أن تكون معايير ثابتة في أغلب المجتمعات
الإنسانية.
عندما يشعر
الرجل أن رجولته مهددة وهشة، فإنه يلجأ في الكثير من الأحيان إلى استدعاء آليات
دفاعية للرد على تلك التهديدات، وقد تكون عنيفة للغاية، وتورطه في جرائم، حيث إن
بعض حالات قتل الأزواج لزوجاتهم وقعت بسبب أن الزوجة قالت له: "أنت لست
رجلا"، فهذه العبارة يعتبرها الرجل إهانة من العيار الثقيل لا يمحو آثارها
إلا الدم، ولذا فإن بعض القوانين تنظر لتلك العبارة الجارحة على أنها نوع من
الاستفزاز، قد يساهم في تخفيض العقوبة، إذا توفرت له بعض الشروط الصارمة.
وختامًا
أخي الكريم، إعادة الثقة للذات هو مدخل ضروري للتخلص من مخاوف
الرجولة الهشة، كذلك ضرورة الالتزام بمعايير المجتمع والثقافة التي تضع حدودًا
فاصلة وواضحة بين الرجولة والأنوثة، وتفرض على الرجل الالتزام بأخلاقيات معينة
تتسم بالشهامة والتضحية.
موضوعات
ذات صلة:
ما هو نموذج الرجل الذي تكافح النسوية من أجله؟