الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : تاريخ وحضارة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
9 - رقم الاستشارة : 6166
20/10/2026
تراثنا اهتم بتربية الأبناء، أريد أن أعرف أكثر عن هذا الجانب وأهم كتبه وأفكاره وأهم إضافات علماء التربية المسلمين في تراثنا بهذا الجانب المهم.
أخي الكريم، قدم علماء المسلمين في تراثنا إضافات كبيرة في مجال
التربية للأبناء والصغار، على مستوى الإنتاج والمؤلفات، وعلى مستوى الأفكار
والآراء، التي كانت متقدمة على من سبقهم، ولعل ذلك يرجع إلى حضور الرؤية القرآنية
والنبوية الشريفة في أذهان العلماء عند طرحهم للقضايا التربوية.
الاعتناء بالطفولة حاضر في الرؤية الاسلامية الحضارية، وحولها جاءت
الاجتهادات الفقهية والتشريعية والتربوية لتنشئة الصغار تنشئة صالحة متوازنة دينيًّا
وأخلاقيًّا وعقليًّا وجسديًّا واجتماعيًّا، بحيث لا يطغى جانب على آخر، كذلك طرح
تراثنا رؤى متنوعة لعلاج المشكلات التي تعترض عملية التنشئة أو تضعف من التأثيرات
التربوية في تقويم الأبناء وإصلاحهم.
أهم رواد ومؤلفات التراث في مجال التربية
أخي الكريم، مساهمات العلماء المسلمين في مجال التربية ترجع للقرون
الأولى التي تألقت فيها الحضارة الإسلامية، ثم امتدت المساهمات إلى باقي العصور
والمراكز الحضارية الكبرى، وكانت الفلسفة التي يستندون عليها بناء الإنسان قبل
العمران، وكانت تلك قاعدة حضارية وتربوية، على اعتبار أن الإنسان هو غاية التنمية
ووسيلتها، وبدون تنشئة متوازنة وصالحة ومتكاملة سيكون الفرد به جوانب نقص وتصدع
ستنعكس حتمًا بصورة سلبية في العمران والبناء الحضاري.
وإذا أردنا أن نقترب أكثر من عطاءات التراث الإسلامي في المجال التربوي،
فنشير هنا إلى بعض الرواد وبواكير المؤلفات التي أثرت منظومة التربوية في الحضارة
الإسلامية، ومن ذلك:
* ابن سحنون القيرواني (المتوفى: 256هـ): يُعد "ابن سحنون" أول من أفرد مصنفًا مستقلاً لتعليم الأطفال
وتنظيم شؤونهم التربوية والتعليمية في الفكر الإسلامي؛ فرسالته "آداب
المتعلمين" تعد أقدم نص تربوي وصل إلينا، ورغم أن صفحاتها لا تتجاوز الـ(26) صفحة
فإنها احتوت على آراء تربوية ذات أهمية، حيث نصح بأن يكون القرآن هو بداية التعليم
للصبيان لأنه منبع العلوم وأساسها وأشرفها، ووضع نظامًا لتأديب الصبي، مانعًا ضرب
الوجه أو العقاب في مرحلة الغضب، موجبًا على المعلم تحقيق المساواة بين الصبيان في
تعليمهم، وحدد أوقاتًا لعطلات الأطفال لضمان توازنهم النفسي.
* ابن الجزار القيرواني (المتوفى: 369هـ): وضمن أفكاره في كتابه الشهير "سياسة الصبيان وتدبيرهم" وكان
طبيبًا متخصصًا في طب الأطفال، فجاءت آراؤه التربوية ممزوجة بالطب والصحة العامة
والتحليل النفسي لسلوك الأطفال، حيث تحدث عن أثر الغذاء على طباع الأطفال
ونفسياتهم، مؤكدًا أن الحليب الذي يتناوله الطفل لا يبني جسده فحسب، ولكن له
تأثيره الملحوظ على نفسيته وطبعه، فيرى أن الطفل يمتص الطباع مع اللبن، ومن
إضافاته تنظيم حياة الطفل من نوم ويقظة ونشاط وطعام لارتباط ذلك بالتربية، كذلك
تحدث عن العلاقة بين النمو الجسدي والنمو الذهني وضرورة مراعاة ذلك تربويًّا.
* أبو الحسن القابسي (المتوفى: 403هـ): وهو من مدينة قابس التونسية،
وعاش عصر الازدهار العلمي في القيروان، وهو رائد التعليم الإلزامي وتكافؤ الفرص في
التعليم، في كتابه "الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين
والمتعلمين"، وهو من أقدم وأبرز المصنفات التي أُفردت لتنظيم فلسفة التربية
والتعليم في الفكر الإسلامي، وتناول تعليم البنات، وتحدث عن الأبعاد النفسية
والإنسانية في تربية الأبناء وبخاصة التدرج والرفق، والتحذير من القسوة والشدة
المفاجئة، ومن الإضافات المهمة حديثه عن الفروق الفردية بين الصبيان وضرورة
مراعاتها في العملية التعليمية.
* أبو حامد الغزالي (المتوفى: 505هـ): وللإمام أبو حامد الغزالي
آراء عميقة ومتنوعة في العملية التربوية، ومن الكتب والرسائل التي تضمنت آراءه
رسالة "أيها الولد"، وكذلك كتابه النفيس "إحياء علوم الدين"،
حيث خصص فصلاً بعنوان "رياضة الصبيان في أول نشوئهم ووجه تأديبهم".
وختامًا أخي الكريم، هذه نماذج من جهود كبيرة ومتنوعة عرفتها الحضارة
الإسلامية في مجال تربية الأبناء والصبيان، تكشف عن اهتمام بالإنسان، وسعي لإعداده
إعدادًا قويًّا يمكنه من الاستخلاف في الأرض والنهوض بمهمة العمران والإصلاح.
موضوعات ذات صلة:
ما الفارق بين علوم الآلة وعلوم المقاصد؟
هل عرفت الحضارة الإسلامية علم التشفير؟
هل التزكية سمة تميز المشروع الحضاري الإسلامي؟
هل ساهمت المرأة المسلمة في الحركة العلمية في تاريخنا؟