هل عرفت الحضارة الإسلامية علم التشفير؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : تاريخ وحضارة
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 7
  • رقم الاستشارة : 5794
07/09/2026

برع المسلمون في كثير من العلوم والمعارف.. فهل يمكن أن نتعرف على جهودهم لو كانت هناك جهود في علم التشفير الذي كان يطلق عليه حينها التعمية؟

الإجابة 07/09/2026

أخي الكريم، الحضارة الإسلامية لها مساهماتها الرائدة والمتنوعة، وحديثنا عن المنجز الحضاري الإسلامي ليس نوعًا من التسلية أو استرجاعًا للماضي، ولكن مسعى لتأكيد أن الحضارة ليست حكرًا على جنس أو بقعة جغرافية معينة، فنهر الحضارة الإنساني ساهمت فيه روافد متنوعة منها المكون الإسلامي، رغم محاولات طمس هذه المساهمات الكبرى.

 

التشفير والتعمية

 

أخي الكريم، التشفير كان يسمى في الحضارة العربية "التعمية" وهو تسمية لها دلالتها، في أنها لا تلغي الشيء، ولكن توقف القدرة على معرفته وإدراكه، والتعمية كانت وسيلة لتأمين الرسائل والمكاتبات من خلال استخدام رموز معينة لا يستطيع أحد معرفتها إلا من يملك أدوات فك تلك الشفرة، او إزالة تلك التعمية.

 

والتعمية هي علم وفن ممارسة إخفاء المعلومات وتحويل النص الواضح المقروء إلى نص غير مفهوم لغير المختصين ولغير العارفين بالرموز المستخدمة.

 

وفي دراسة تحقيقية مهمة صادرة عن مجمع اللغة العربية بدمشق بعنوان "علم التعمية واستخراج المعمى عند العرب" صدرت في جزأين في حوالي ألف صفحة تقريبًا تحدثت عن هذا العلم عند العرب، تم فيها تحقيق عدد من الكتب والرسائل التي أبدعها العرب والمسلمون في هذا المجال ألفها: "الكندي" و"ابن عدلان" و"ابن الدريهم".

 

ومن الرسائل المهمة في التعمية:

 

* "رسالة في استخراج المعمى" لـ"يعقوب بن إسحاق الكندي" (المتوفى 256هـ=873م)، وهو عالم مسلم بارع في الفلسفة والفلك والكيمياء والفيزياء والطب والرياضيات والموسيقى.

 

* "المؤلف للملك الأشرف" لـ"علي بن عدلان الموصلي" (المتوفى 666هـ) وهو أحد كبار اللغويين وكان أديبًا وشاعرًا، وكان مولعًا بالألغاز.

 

* "مفتاح الكنوز في إيضاح الرموز" لـ"علي بن الدريهم" (المتوفى 762هـ=1361م) له كتب في الجغرافيا وعلم الفراسة والشطرنج الألغاز.

 

وقد استطاع العرب والمسلمون أن يبدعوا في هذا العلم المتصل بإخفاء المعاني وسترها، ثم إبانتها وكشفها، وانقسم هذا العلم إلى علمين:

 

الأول: علم التعمية (التشفير): وهو تحويل نص واضح إلى آخر غير مفهوم باستعمال طريقة محددة يستطيع من يعرفها أن يفهم بها ذلك النص.

 

الثاني: علم استخراج المعمى (كسر الشفرة): وهو علم لكشف المستور في فهم النص، من خلال تحويل النص المعمى إلى نص واضح من غير معرفة طريقة التعمية المستعملة.

 

ويؤكد الكتاب الصادر عن مجمع اللغة بدمشق أن علم التعمية واستخراج المعمى ينتسب للعرب ولادة ونشأة وتطورًا، يقول الدكتور "مروان البواب" عضو المجمع إن المخطوطات العربية في هذا العلم تعود إلى القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، وهو ما يثبت أن العرب هم آباء هذا العلم، وأنهم هم من أرسى قواعده ووضع أسسه ومصطلحاته وابتدعوا منهجياته ومبادئه.

 

ويؤكد "البواب" أن هذا العلم لا تقتصر فائدته على الحروب، ولكن تتعداها إلى أعمال التجارة والاقتصاد، كما أنه علم يرتبط بعلوم أخرى مثل اللغة والرياضيات.

 

وقد اشاد المؤرخ الأمريكي "ديفيد كان" في كتابيه "اسرار علم التعمية الجديد" و"مستخرجو المُعمى" بدور العرب والمسلمين في هذا العلم، حيث أكد أن العرب مارسوا هذا العلم قبل الغربيين بزمن طويل ويقول: "العرب هم الذين اكتشفوا مبادئ استخراج المُعمى، إلا أن معرفتهم تقلصت مع أفول حضارتهم"، ويقول أيضًا: "لقد طور المسلمون معرفة نظرية في استخراج المعمى تنم عن ممارستهم العملية لاعتراض المراسلات واستخراج تعميتها"، ويقول أيضًا: "لقد ولد علم التعمية بشقيه بين العرب، إذ كانوا أول من اكتشف طرق استخراج المعمى ودونها".

 

وختامًا أخي الكريم، مساهمات الحضارة الإسلامية في المجالات العلمية المختلفة تحتاج إلى جهد للكشف عن دورنا في الحضارة العالمية؛ لأن نسيان التاريخ هو فقدان للهوية في كثير من الأحيان.

 

موضوعات ذات صلة:

هل التزكية سمة تميز المشروع الحضاري الإسلامي؟

رعاية المسنين في الحضارة الإسلامية.. نموذج للرحمة

ما إسهام الحضارة الإسلامية في علم البيطرة؟

هل للحضارة الإسلامية تراث في آداب الطعام؟

هل اهتمت الحضارة الإسلامية بعلم النفس؟

التعليقات

الرابط المختصر :