الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
7 - رقم الاستشارة : 6210
25/10/2026
هل هناك علاقة بين الحياة الحديثة وتراجع الرضا في النفوس ولماذا قلت مساحات الرضا مع توسع المادية والحداثة والعلمية؟
أخي الكريم، الرضا بات سلعة عزيزة في الزمن المادي؛
فالكثيرون غير راضين عن حالهم وأرزاقهم وأشكالهم وأسرهم وعلاقاتهم، وهذا الغياب
للرضا يحول أوقات الحياة إلى لحظات ألم واحتراق داخلي، ولعل من أسباب ذلك هو أن
المادية كفلسفة وممارسة أصبحت هي الغالبة على الأفكار والتصورات والسلوك،
والمعايير المادية تكاد تكون هي المقياس الوحيد للإنسان المعاصر.
المادية والــرضا الــزائف
أخي الكريم، الفلسفة المادية أصبحت سمة مميزة للحياة
المعاصرة، والمادية لا تعني فقط أن المادة هي الجوهر الأساسي والوحيد لكل ما هو
موجود في الكون، أو أن كل الظواهر الكونية، بما فيها الوعي، والأفكار، والمشاعر
الإنسانية، ما هي إلا نتاج لتفاعلات مادية بحتة، ولكن المادية امتدت إلى النموذج
المعرفي والقيمي الذي يصوغ تصورات هذا الإنسان وسلوكه، وهو ما حوّل الإنسان من
كائن يبحث عن المعنى من الوجود إلى كائن يلهث وراء الاستهلاك واللذة والمتعة ويتملكه
هوس التملك باعتباره المدخل الوحيد للسعادة، كذلك أصبح تقييم الشخص للآخرين بناء
على ما يمتلكونه من أشياء مادية أو يحوزونه من منصب أو مكانة مادية، وليس بناء على
قيم إنسانية وأخلاقية.
في كتابه "الإنسان ذو البعد الواحد" الصادر
عام 1964م يذهب عالم الاجتماع الألماني الأمريكي "هربرت ماركوزه" بأن
المجتمع التكنولوجي المادي يخلق "حاجات زائفة" عبر الإعلانات، ويقنع
الإنسان بأن إشباعها هو طريق السعادة، مما يجعله في حالة ركض دائم لا ينتهي بالرضا
بل بالإنهاك، فالمجتمعات الصناعية المتقدمة حوّلت الإنسان إلى كائن مستهلك ذي
"بعد واحد" يلبي حاجات زائفة، فالنظام الاقتصادي والشركات الكبرى يقنعون
الإنسان بأن سعادته ووجوده مرتبطان بالاستهلاك المستمر.
لــكن الأخطر هو تلك الحاجات التي يتم غرسها في الإنسان
غرسًا عبر كثافة الإعلانات، أن الإنسان يركض بلا رضا وراء ما لا يدركه، ويتوقف عن
طرح السؤال الحقيقي للسعادة؛ لذا يعيش الإنسان مع هذه الروح المادية الاستهلاكية
بـ"رضا زائف" أو "شقاء سعيد"، وهنا يتم "هندسة
الرضا" أو "تصنيع الرضا الزائف" من خلال جعله رضًا سطحيًّا من خلال
توفير السلع الاستهلاكية والترفيهية حتى يسهل تحقيق السيطرة على الإنسان والمجتمع،
ويكون هذا "الرضا الزائف" بمثابة حقنة التخدير للوعي الإنساني، ولذا تم
ربط سؤال الرضا بالتملك والأشياء المادية البحتة الخالية من المعنى والقيمة.
لكن مشكلة هذا "الرضا الزائف" أنه مؤقت؛ لأنه
أيقظ الروح المادية في أعماق الإنسان، وتلك اليقظة أحيت روح المقارنة المادية بين
الإنسان والآخرين، وهذه المقارنة تبدد بقايا الرضا في النفس، لتحولها إلى ذات
مشتعلة بعدم الرضا وممتلئة بروح السخط، وناطقة بمفردات الضجر والغضب.
المادية والحرية الزائفة
أخي الكريم، في ظل الزيف الاستهلاكي المادي تتشبع الحرية
بالمادية، ويصبح سؤال الحرية ما الذي أختاره من بين كل تلك السلعة الاستهلاكية
المعروضة على الأرفف؟ وبالتالي نصبح أمام "حرية زائفة"، وخطورة تلك
الحرية أن غضبها واختيارها ليس سعيًا نحو الأفضل من الناحية القيمية والإنسانية
والأخلاقية، ولكن من الناحية المادية الاستهلاكية، لتتحول تلك الحرية إلى جحيم،
وفراغ روحي، وخضوع للمادية؛ لأن الحرية ليست كثرة الخيارات الاستهلاكية.
طرح عالم النفس الأمريكي "باري شوارتز" الذي
يدرس العلاقة بين الأخلاق والاقتصاد وعلم النفس، ما أسماه "مفارقة الاختيار:
لماذا المزيد يعني الأقل؟"، وهي فكرة تنقد الحرية الاستهلاكية كسبيل للرضا
والسعادة، فيرى أن وفرة الخيارات في العصر الحديث لا تؤدي إلى السعادة بل تسبب شلل
القرار، والندم المستمر؛ لأن الفرد يظل قلقًا من أنه لم يختر البديل الأفضل.
وختامًا أخي الكريم، أزمة الرضا في الزمن المادي هي أزمة
وجودية متجذرة في الفلسفة المادية، تلك الفلسفة التي حوّلت العالم وأحلام الإنسان
وتطلعاته إلى سوق استهلاكية، فاستبدل الإنسان بحثه عن معنى لوجوده يُشبع روحه إلى
بحث عن سلعة لإشباع بطنه.
موضوعات ذات صلة:
المجتمع المرهق.. لماذا أصبح سمة العصر الحالي؟
هل إنجاز المادية دليل على صوابية أفكارها؟
هل تغير مفهوم الشكر مع المادية؟