الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
81 - رقم الاستشارة : 5636
19/08/2026
هل كثرة متابعة هذه السيل من أخبار الحوادث والقضايا والجرائم تؤثر على رفاهيتنا النفسية وعلى قدراتنا العقلية؟
أخي الكريم، وعي الإنسان يختزن الكثير من الأحداث والمشاهدات التي يتعرض لها كل يوم،
وبعضها يتسرب إلى اللاوعي ليؤثر في أفكار الإنسان وسلوكه وتصوراته دون أن
يشعر بهذا التأثير؛ فكثرة متابعة الأحداث المأساوية تؤثر على الإنسان، سواء بتبلد
شعوره أو إصابته بالكآبة والتوتر والاكتئاب، كما أن المبالغة في متابعة الجرائم
تؤدي إلى إحساس الإنسان بفقدان الأمن والأمان وتعمق شكوكه في الناس.
إعلام الجريمة
أخي الكريم، يحظى إعلام الجريمة بالكثير من المتابعة عالميًّا، فأخبار الجريمة قادرة
على استقطاب قطاعات واسعة من الجماهير، من خلال إمدادهم بالأخبار والتفاصيل حول
الجريمة، مع إضافة المواد والقصص التشويقية التي تُغري بالمتابعة والاهتمام، وقد
زاد هذا الاهتمام مع دخول الإعلام الرقمي وبخاصة البودكاست.
ويبقى السؤال لماذا يحظى هذا الإعلام بهذه المتابعة
والاهتمام؟
هناك عدة أسباب قد تفسر هذا الاهتمام الجماهيري، منها:
الانجذاب النفسي: فوسائل الإعلام تلعب دورًا أساسيًّا في إنتاج وإعادة إنتاج صور الواقع؛
والجريمة وشخصياتها، فهناك انجذاب بشري للغموض والألغاز والشغف بمعرفة التحليل
النفسي والدوافع الكامنة وراء ارتكاب الجريمة.
فهم الواقع: يتيح هذا الإعلام تقديم فهم للواقع، وبخاصة ذلك الواقع الغائب في عالم
الجريمة بكافة أشكالها؛ فنظرية الاتصال بخصوص التنشئة الاجتماعية تؤكد أن الأفراد
يستقون معلوماتهم من وسائل الإعلام لتكوين صورة عن الواقع.
محاكاة التهديد للشعور بالأمان: يظن الكثير من الناس أن التعرف على الجرائم يساعدهم في
فهم دوافع الجريمة وطرق تنفيذها، وبالتالي يمكن تفادي الأخطاء والاحتراس والاحتياط
من خلال فهم عقلية المجرمين، وبالتالي تفادي أخطار الجريمة وحماية أنفسهم، وتعلم
استراتيجيات السلامة.
الشعور بالعدالة: رغبة الجمهور في رؤية العدالة مجسدة من خلال قصة الجريمة تغريهم
بمتابعتها، وهل يفلت المجرم من العقوبة، أم تطاله يد العدالة وينزل عليه ما يستحق من
عقاب، كما أن متابعة الجريمة قد تكشف عن كفاءة الأجهزة الأمنية أو الفساد فيها،
وبالتالي تكون تلك المتابعة للجريمة كاشفة عن أوجه القصور في أجهزة الدولة.
الترفيهية: توفر
القصص ذات المخاطر العالية والصراعات والتحقيقات والحلول الواضحة تفاعلاً عاطفيًّا
قويًّا.
هل تفسد المتابعة سعادتنا؟
تؤكد الدراسات أن التعرض المتكرر والمستمر لأخبار
الجريمة يضر بصحتنا ورفاهيتنا النفسية، وتعلل ذلك أن تلك المتابعة تحفز ما يسمى بـ
"عدسة التهديد" في الدماغ، وهو ما ينشط القلق والتوتر، ويعزز
نظرة الشخص السلبية عن العالم فيراه عالمًا مليئًا بالشر والخوف وغياب الأمان،
وهذا يؤدي إلى انخفاض مستوى السعادة، ويؤدي إلى أمور سلبية، منها:
القلق المتزايد: يؤدي الإفراط في متابعة الجريمة إلى إنتاج استجابات سلبية كالتوتر
المستمر، والقلق.
النظرة المشوهة للعالم: الإفراط ينمي "متلازمة العالم الشرير"، حيث يعتقد
الأفراد أن بيئتهم المحلية أكثر خطورة بكثير مما هي عليه في الواقع، وأن الشر يغلف
العالم، وأن الخير ينحسر.
اضطرابات النوم: يؤدي هذا الإفراط إلى صعوبات في النوم، وأرق متكرر مصحوب بالخوف،
وبالتالي يتسبب في فرط اليقظة وسواس قهري بعدم الأمان.
فقدان الثقة: يقلل من ثقة الناس في المجتمع، وفقدان الشعور بالأمان وتراجع الثقة في
قدرة الأجهزة الأمنية على توفير الحماية قبل وقوع الجريمة.
وختامًا أخي الكريم، متابعة أخبار الجريمة في حدودها المعقولة مفيد للغاية في أن يبصر الشخص
بالمجتمع حوله وبالواقع المحيط به؛ لأن الجهل بالواقع وبخاصة الأحوال الاجتماعية
هو خطأ جسيم، وكلما كان الإنسان على إلمام معقول بما يدور حوله كان بصيرًا بزمانه،
وكما جاء في الحديث الذي رواه "ابن حبان" قال ﷺ: "على
العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه"، لكن الإفراط هو ما نتحدث ونحذر منه.
روابط ذات صلة:
هل يدفع الملل لارتكاب الجرائم؟
هل تساهم التغطية الإعلامية للجريمة بارتكابها؟