ميزان الشريعة: نتائج الأبحاث العلمية وتكاليفها الغُنم بالغُرم

Consultation Image

الإستشارة 03/10/2026

ما حكم كتمان العلم والمعرفة العلمية أو الحيوية التي يحتاجها الناس لعلاج الأوبئة أو درء المفاسد؟ وهل يجوز فرض رسوم مالية على الوصول للمعلومات الضرورية لحفظ النفس؟

الإجابة 03/10/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، العلم في الإسلام ليس ملكية احتكارية لأحد، بل هو أمانة استخلف الله فيها عباده لنفع البشرية وعمارة الأرض، ولا سيما العلم المتعلق بحفظ الأنفس ودرء الأوبئة والمهالك، فهو فرض كفاية يعظم إثمه عند الكتمان، ويجب بذله لمن يحتاجه لدفع الهلاك عن العباد.

 

اختصارًا:

 

كتمان العلم النافع الذي تتوقف عليه حياة الناس وسلامتهم – كمعالجة الأوبئة ودرء المفاسد العامة– حرام شرعًا بإجماع الأمة، وهو من الكتمان المذموم الذي توعد الله فاعله باللعن والعذاب. وأما فرض رسوم مالية على الوصول للمعلومات الضرورية المتعلقة بحفظ النفس ودفع الأوبئة، فلا يجوز إذا كان في ذلك حرمان للناس من الضروريات أو إضرار بحاجتهم الملحة.

 

ولكن في عصر أصبح العلم فيه مُكلفًا ولأن الغنم بالغرم فأخذ الأجرة العادلة على الجهد البشري في الوصول إلى العلم وتحقيق النتائج لا حرج فيه، ولكن بالقدر الذي لا يتحول الأمر إلى احتكار يمنع وصول غير القادرين إلى الدواء اللازم لبقاء حياتهم أو حرمان المحتاجين من أخص الضرورات.

 

وتفصيلاً:

 

أقوال الفقهاء في حكم كتمان العلم:

 

ذهب عامة أهل العلم إلى أن كتمان العلم الذي يحتاجه الناس عامة، أو ما يتعلق بحفظ الضرورات كحفظ النفس والمال والدين، هو معصية كبرى.

 

قال الإمام ابن حزم الأندلسي رحمه الله في كتابه الإحكام في أصول الأحكام: "من علم علمًا يحتاج إليه الناس، ولزمه تعليمه، فامتنع من ذلك، فهو آثم"، ونص على أن منع العلم النافع الذي يزيل جهالة أو يدفع ضررًا يعد خيانة للأمانة.

 

وقال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في إحياء علوم الدين: "إن العلوم الشرعية والدنيوية الضرورية التي تتعلق بحاجة العامة إذا انحصرت في شخص لزمته العين أو الكفاية بحسب الحال، ويحرم عليه كتمانها أو الامتناع عن نفع الناس بها".

 

وقد استدل العلماء بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "مَنْ سُئِل عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ" رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني.

 

مدارس المسلمين في الأندلس وبغداد التي علمت طلاب العلم من كل أنحاء العالم:

 

مدارس بغداد العباسية: مثلت بغداد حاضرة العلم الكبرى، وشهدت ازدهار دور العلم كبيت الحكمة والمدرسة النظامية التي أسسها الوزير نظام الملك. وقد تميزت هذه المؤسسات بأنها لم تكن تقتصر على التعليم المأجور أو المحتكر، بل وفّرت التعليم والسكن والمأكل مجانًا لطلبة العلم القادمين من شتى بقاع العالم الإسلامي وخارجه، دون تفرقة بين عرق أو لغة، لتكون منارات لإشاعة المعرفة الطبية والشرعية والفلكية.

 

مدارس الأندلس وقرطبة: وكانت قرطبة وغرناطة وبقية حواضر الأندلس بيئة علمية استقطبت طلاب العلم من أوروبا المظلمة والعالم بأسره. وامتازت المدارس والجامعات الأندلسية كجامعة قرطبة الكبرى ومكتباتها الهائلة التي ضمت مئات الآلاف من المجلدات بإتاحة مصادر المعرفة في الطب والصيدلة والفلك للجميع. وكان العلماء يرحلون إليها لطلب المعرفة وتلقي العلوم التطبيقية التي ساهمت لاحقًا في إنقاذ البشرية من الأوبئة وتطوير العلوم الطبية دون تضييق مقصود على طالبي النجاة.

 

حكم فرض الرسوم المالية على الوصول للمعلومات الضرورية لحفظ النفس:

 

الأصل في العلوم الضرورية لحفظ الأنفس ودرء الأوبئة أن تكون مبذولة للناس تيسيرًا لحياتهم ودفعًا للهلاك عنهم.

 

فإذا كانت الرسوم تعود لتغطية نفقات البحث والدراسة، والأجهزة، والجامعات والطباعة والتقنيات فقط دون قصد الاحتكار أو منع الفقراء والمحتاجين، فهي جائزة من باب أجر المثل أو تكلفة الخدمة.

 

أما إذا بلغت الرسوم حدًّا يحرم المحتاجين والفقراء من الوصول إلى الدواء أو المعرفة الوقائية اللازمة لدفع الهلاك والأوبئة، فيحرم فرضها، ويجب على الدولة أو الجهات المختصة التدخل لكسر الاحتكار وإتاحة هذه المعلومات الضرورية مجانًا لحفظ الأنفس.

 

فالإنتاج العلمي المتقدم في العصر الحديث – لا سيما في مجالات الأبحاث الطبية الدقيقة، وتطوير اللقاحات، ومكافحة الأوبئة المستعصية – لم يعد جهدًا فرديًّا يسيرًا، بل أصبح صناعة كبرى تكلف المليارات، وتستنزف سنوات طويلة من التجارب، والمخاطر المالية، والجهد البشري الهائل. ومن هذا المنطلق، تقضي قواعد العدالة والإنصاف بأن الغنم بالغرم؛ فمن تحمل غرم التكلفة الباهظة والمخاطرة المالية الضخمة، يحق له –من منظور حفظ الحقوق والتشجيع على الابتكار– جني ثمار ذلك الغنم وضمان عائدات أبحاثه.

 

غير أن هذا المبدأ التجاري والعلمي ينبغي ألا يتحول إلى أداة لاحتكار حياة البشر أو حرمانهم في حالات الكوارث والأوبئة العامة؛ ولهذا، فإن الحل الأعدل يكمن في تكافل الدول والمؤسسات الدولية في تحمل التكاليف والأعباء المالية المسبقة للأبحاث الكبرى، لتتحقق الشراكة الحقيقية في الغرم، وتصبح ثمار النتائج متاحة للجميع بالعدل دون إجحاف بحقوق الباحثين ولا إهلاك للمحتاجين.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في نتائج الأبحاث العلمية وتكاليفها:

 

"دفع المفاسد أولى من جلب المنافع"، وهي الحاكمة في أولوية إتاحة المعلومات الضرورية لدفع الأوبئة وحفظ النفوس على أي اعتبارات مالية أو تجارية ضيقة.

 

"الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة"، وتُطبق على الاحتياج العام لمعلومات الطب والوقاية، حيث يصير نشرها واجباً ودفع تكلفتها من فروض الكفاية.

 

"لا ضرر ولا ضرار"، وهي القاعدة التي تمنع احتكار المعرفة الحيوية وفرض رسوم باهظة تؤدي إلى إهلاك الناس أو انتشار الأوبئة والأمراض بينهم.

 

"الأجر بقدر العمل"، والتبرع بالأصل، فالمعلومات الأصل فيها البلاغ المجاني للنفع العام، ويجوز أخذ الأجر نظير جهد بشري خدمي ولا مانع فيه شرعًا بشرط عدم حرمان المحتاج. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

موقف الإسلام من احتكار الابتكارات ومنع الفقراء من الانتفاع بها

حكم بيع حقوق الملكية الفكرية

التعليقات

الرابط المختصر :