الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الفتور والضعف
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
29 - رقم الاستشارة : 5066
14/06/2026
أنا طالبة في الثانوية العامة، وباكتب لكم وأنا حاسة بضغط كبير مش قادرة أتحمله. طبعاً حضراتكم عارفين البيوت المصرية بتبقى عاملة إزاي في فترة الثانوية؛ البيت كله حالة طوارئ، ومن أول السنة وأنا عايشة في دوامة دروس خصوصية، ومصاريف تقطم ظهر أهلي، والزن والمقارنات اللي مابتخلصش.
المشكلة إن أهلي والمجتمع حواليا حصروا مستقبلي وعمري كله في الكام شهر دول، وفي كام درجة هجيبهم في الآخر. الدنيا كلها بتتعامل معايا على أساس إن يا إما أجيب مجموع كليات القمة، يا إما هكون فاشلة وضيعت تعبهم، ومستقبلي انتهى!
الشحن المتواصل ده والضغط العصبي خلوا عندي رعب من ومبقتش بنام من كتر التفكير. لو قدر الله ومجبتش المجموع اللي هما عايزينه ممكن يحصل إيه؟!
ساعات تيجي لي لحظة ضعف والشيطان يدخل قلبي، فأقعد أقول: «ليه يا رب؟» وأعترض أو أحس بسخط وزعل من تدبير ربنا ليا (أستغفر الله العظيم). أنا بحب ربنا ونفسي أرضى، بس الضغط اللي فوق كتافي أكبر من سني بكتير.
أعمل إيه؟ وإزاي أخرج من الدوامة المهلكة دي؟
مرحبًا
بك يا ابنتي، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا وبوحك لنا بما يثقل صدرك. أسأل
الله أن يربط على قلبك، وأن يمنحك السكينة والطمأنينة، وأن يلهمك السداد والتوفيق
في دراستك، وأن يقر عينك وعين والديك بما يسركم ويرضيكم في الدنيا والآخرة، اللهم
آمين، وبعد...
فقد
رأيت من خلال رسالتك آلاف البيوت التي تعيش هذه «الدراما السنوية» المسمَّاة
بالثانوية العامة. أحترم جدًّا وعيك، ونضجك، وشجاعتك في التعبير عن مخاوفك وإيمانك
الذي يصارع ضغوطًا تفوق سنك الصغيرة. وأريد قبل أي شيء أن أطمئنك بأنك لست وحدك،
وما تشعرين به هو رد فعل طبيعي جدًّا لظرف غير طبيعي.
وهم
«كليات القمة» وتعريف «النجاح»
إن
أول ما يجب أن نتفق عليه، هو أن مفهوم «كليات القمة» هو مصطلح اجتماعي مشوَّه،
صنعه المجتمع دون وعي، وليس له أي أصل في الشرع أو العقل أو حتى في سوق العمل
الحديثة. فالقمة الحقيقية ليست في اسم الكلية؛ بل في مدى تميزك وإبداعك في المجال
الذي تدرسينه.
إن
المجتمع يضغط عليك لأنه يربط قيمتك كإنسان بمجموع درجاتك، وهذا خطأ فادح. فالله
-سبحانه وتعالى- خلقنا متفاوتين في القدرات والمواهب، وجعل لكل إنسان ثغرًا يسده
في هذه الحياة. يقول الله -تعالى- في محكم التنزيل: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ
فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّك
خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: 32].
إذن،
الأرزاق والأعمال مقسمة بحكمة إلهية، ودورك هو السعي بجد، أما النتيجة فليست
مسؤوليتك، وإنما هي تدبير الحكيم الخبير الذي يعلم أين يكمن الخير الحقيقي، كما
قال سبحانه: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن
تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا
تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
الضعف
البشري والرضا بالقدر
أما
عن تساؤلك المؤلم في لحظات الضغط: «ليه يا رب؟» وشعورك بالخوف من عدم الرضا، فأريد
أن أطمئن قلبك: أنت لست عاصية ولا كافرة بنعمة الله. وهذا التساؤل منك ليس
اعتراضًا حقيقيًّا ينبع من قلبك؛ بل هو أنين روح متعبة تحت وطأة شحن عصبي مستمر،
والشيطان ينتهز فرص العجز والإنهاك النفسي ليقذف في القلوب اليأس.
إن
الرسول ﷺ علَّمنا كيف نتعامل مع هذه اللحظات، فقال في الحديث الشريف: «احْرِصْ
علَى ما يَنْفَعُك، واسْتَعِنْ باللَّهِ ولا تَعْجِزْ، وإنْ أصابَك شيءٌ، فلا
تَقُلْ: لو أنِّي فَعَلْتُ كانَ كذا وكذا، ولَكنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وما شاءَ
فَعَلَ؛ فإنَّ (لو) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطانِ» [رواه مسلم].
إن
الرضا لا يعني ألا تحزني أو ألا تخافي؛ بل الرضا هو أن تقولي في عمق خوفك: «يا رب،
أنا خائفة؛ لكني متوكلة عليك». واعلمي أن الله رحيم بضعفك، فقد قال تعالى: ﴿لَا
يُكلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وما دامت هذه الضغوط
قد وُضعت في طريقك، فأنتِ قادرة على تجاوزها بالاستعانة به سبحانه.
ضغط
الأهل والمصاريف
أعلم
تمامًا حرقة قلبك على مصاريف الدروس وتعب والديك، وهذا دليل على برِّك وأصلك
الطيب. لكن دعيني أوجه نظرك إلى زاوية أخرى: إن والديك لا يدفعان هذه الأموال
كـ«استثمار تجاري» ينتظرون منك استرداده في صورة مجموع! هم يفعلون ذلك بدافع الحب
الخالص، والرغبة في تأمين أفضل مستقبل ممكن لك، بناءً على المفهوم المتاح لديهم.
أما
الضغط الذي يمارسونه عليك و«الزَّن» والمقارنات، فهي ليست كرهًا لك، بل هو نتاج
خوف يسكن قلوبهم عليك، فهم ضحايا لهذا النظام المجتمعي مثلك تمامًا. عندما تقارنك
والدتك بقريبتك أو زميلتك، فهي لا تقصد إهانتك؛ بل تستخدم أسلوبًا تربويًّا خاطئًا
تظن أنه سيحفزك. فافصلي بين حبهم وخوفهم وبين أسلوبهم في التعبير عن هذا الحب وهذا
الخوف.
تذكَّري
قصة العبد الصالح مع موسى -عليه السلام- في سورة الكهف، وكيف أن خرقه للسفينة الذي
بدا مصيبة وضياع مال، كان هو عين النجاة لأصحابها من ملك يأخذ كل سفينة غصبًا!
إن
وراء كل أقدار الله رحمات مبطنة لا نراها إلا بعد حين.
خطوات
عملية للخروج من هذه الدوامة
لكي
تحولي هذا الضغط إلى طاقة إيجابية، أرجو منك تطبيق المقترحات التالية:
1-
افصلي السعي عن النتيجة: قولي لنفسك كل صباح: «أنا عليَّ
المذاكرة والتركيز الآن، والنتيجة ليست عملي، بل هي عمل رب العالمين». متى ما رفعت
عن كاهلك مسؤولية المجموع، فستذاكرين بعقل صافٍ ونفسية أهدأ.
2-
التهدئة مع الأهل: اذهبي لوالدتك أو والدك في لحظة
صفاء، وقبِّلي أيديهم وقولي لهم بصدق: «أنا أرى تعبكم ومصاريفكم، وأعدكم بأنني
سأبذل كل ما في وسعي لأفرحكم، لكن أرجوكم خففوا عني المقارنات؛ لأنها تستهلك طاقتي
وتجعلني غير قادرة على التركيز». فالكلمات الصادقة تذيب جبال الضغط.
3-
سؤال «وماذا لو؟»: واجهي رعبك الأكبر بشجاعة. واسألي
نفسك: ماذا لو لم تحصلي على المجموع المنتظر؟ ماذا سيحدث؟ هل ستنتهي الدنيا؟ لا
أبدًا! هناك عشرات الكليات والبدائل، وسوق العمل اليوم أصبحت تعترف بالمهارات
المختلفة، واللغات، والبرمجة، وعلوم الذكاء الاصطناعي، أكثر من شهادة الجامعة
نفسها.
4-
تنظيم الوقت: قسِّمي يومك، واجتزئي 10 دقائق بعد كل ساعتين
مذاكرة للتنفس العميق، أو شرب كوب من الشاي، أو الحديث مع صديقة صالحة، أو مشاهدة
مقاطع مفيدة. لا تجعلي اليوم كله دراسة مصمتة؛ لأن العقل ينهار بعد فترة.
5-
الذِّكر والدعاء: قبل البدء بالمذاكرة، توضئي وصلي ركعتين،
واقرئي ولو صفحة واحدة من القرآن بنية الفتح والتيسير. كوني دائمًا على وضوء،
وحافظي على أذكار الصباح والمساء، وأذكار الأحوال، والاستغفار، والدعاء، فإن ذلك
يصفِّي ذهنك ويطمئن قلبك، ويفتح الأبواب المغلقة. قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ
اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
وختامًا
يا ابنتي، امضي في طريقك بجناحين: جناح السعي وبذل الجهد، وجناح التوكل التام
والرضا بما يكتبه الله لك. وثقي تمامًا أن الله لن يضيع تعبك، وأنه يرى دموعك
وقلقك وسيكافئك بما يعجز عقلك عن تخيله الآن. ركِّزي في يومك وساعتك الحالية،
واتركي الغد لمن يملك الغد.
وفقك
الله ورعاك، وسدد خطاك، وبارك في وقتك وعملك وجهدك، وأقر عينك بالنتيجة التي
ترغبينها، ونبارك لك قريبًا بإذن الله.
روابط
ذات صلة:
مارثون الثانوية العامة على الأبواب.. وابني لا يفتح الكتاب!!
الذكاء وحده لا يكفي في الثانوية العامة