الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : فكر معاصر
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
110 - رقم الاستشارة : 4404
17/03/2026
هل تؤدي التزكية دورًا في عملية الاصلاح الاجتماعي والديني والحضاري، أم أنها شأن فردي يكفي للفرد أن يهتم به وليس لها مردود حضاري؟
أخي الكريم، الرؤى المادية واللادينية لا تدرك ولا تهتم بالدور التزكوي في البناء الحضاري والإصلاح الاجتماعي، وتظن أن القانون كاف لضبط سلوك الإنسان.
ولعل هذا المسلك نابع من الرؤية المادية للإنسان والتي لا ترى فيه إلا جسدًا تُشبع رغباته، وتُلبّى حاجاته، ويضبط سلوكه الخارجي وفق ما ينص عليه القانون، أما النفس وتهذيبها وتزكيتها فلا تهتم بها المادية، وترى أن علم النفس وربما برامج التنمية البشرية قد تضطلع ببعض المهام في التوجيه والإرشاد في حال حدوث أزمة أو مرض.
التزكية رياضة للنفس
أخي الكريم، التزكية في اللغة لها معنيان أو بالأحرى وجهان يكمل كل منهما الآخر، أولهما ويعني التطهر، وثانيهما الزيادة والنماء، وهي حالة وصفها علماء التربية والأخلاق المسلمون بالتخلية والتحلية، أي بالتخلي عن الصفات والأخلاق الذميمة، وعدم السماح لهذا الفراغ النفسي إلا بجذب كل ما هو نافع ومفيد، وهو ما أسموه "التحلية"، أي التحلي والاتصاف بكل جميل ونافع، وقد أبدع أبو حامد الغزالي في تعريفها بقوله: "أنها تطهير القلب عما لا يحبه الله عز وجل".
أخي الكريم، للتزكية وصف بديع في كتب الأخلاق الإسلامي، إذ وصفت برياضة النفس، وهو وصف ذو دلالات متعددة، منها أن التزكية عملية كسبية أي يتحصل عليها الإنسان من خلال جهد وتعب ومثابرة وزمن، فليست عملية لحظية أو سريعة أو سهلة؛ فعضلة النفس المزكاة تتكون مثل عضلة البدن القوي، في ظل نظام محكم ومستمر من التغذية والتدريب والاستمرار.
تشير الإحصاءات العالمية إلى أن حجم الإنفاق العالمي على الرياضة بشقيه في قطاع الرياضة أو الترفيه الرياضي من المتوقع أن يصل هذا العام 2026م حوالي (4.9) تريليونات دولار في (183) دولة في العالم، وهو مبلغ ضخم جدًّا، ولكن السؤال كم تنفق البشرية على رياضة النفس، وتهذيبها، وإكسابها الفضائل؟ يبدو أنه رقم هزيل جدًّا لو كانت هناك إحصاءات يمكن رصدها بشأنه.
التزكية ضرورة
أخي الكريم، التزكية ضرورة فردية للإنسان وحاجة للمجتمع وأحد مرتكزات الإصلاح الاجتماعي والنهوض الحضاري، فبدون التزكية فإن أي شكل حضاري يصبح قشرة ظاهرية فقط، أو كما يقول الشاعر "نزار قباني": "لقد لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية"؛ فالروح تحتاج إلى تحضر ولا يتأتى ذلك إلا من خلال التزكية.
والتصور الحضاري الإسلامي يؤكد أن التزكية مهمة في الحضارة بجانب العمران والتوحيد؛ فالتوحيد والعمران والتزكية هي الأعمدة الأساسية في البناء الحضاري الإسلاميح فالتزكية قيمة عليا في الحضارة الإسلامية.
تلعب التزكية دورًا محوريًّا في تهيئة الإنسان لحمل الأمانة الاستخلافية في الأرض، وبدون التزكية يتحول الدين إلى أغراض تناقض غاياته فلا يصل بالإنسان إلى خالقه، ولا يحقق النفع للإنسان ويتحول الدين إلى حالة من الاستغلال والهيمنة على الناس.
وهنا أتذكر مقولة لراهب أمريكي متصوف هو "توماس ميرتون" (توفي 1968م) تكشف أن غياب التزكية في القائمين على الشأن الديني يقود إلى أنانية وجشع، فيقول: "من الخطير حقًّا وضع الكتب المقدسة في أيدي أناس لم يستيقظ باطنهم بعدُ بما يكفي للقاء الروح القدس؛ لأنهم سيحاولون استخدام الله لأغراضهم الأنانية"، فالتزكية ليس مردافًا للعلم الديني، ولكنها نسيج مختلف ينظر إلى باطن الإنسان لتطهيره وتربية الضمير في جنباته، وخلق حالة دائمة من المراقبة للنفس بحيث تكون النفس بصيرة على نفسها وتراجع أفعالها وسلوكياتها الظاهرة والباطنة.
كذلك تلعب التزكية دورًا مهمًّا في العمران؛ فالعمران ليس تشييدًا فقط، ولكن لا بد من أخلاقيات يتجاور فيها المعنى والمبنى معًا للتعبير عن الروح الحضارية الإنسانية، كذلك لا بد من التلازم بين التقدم المادي والرقي الروحي.
أخي الكريم، نستطيع أن نقول إن الإصلاح الاجتماعي الحقيقي والنافع يبدأ من داخل النفس من خلال التزكية، فإذا حدثت التزكية وتم تنقية النفس من مشكلاتها وأمراضها، كان الإصلاح الاجتماعي أنفع وأدوم، ولذلك رأى الإمام أبو حامد الغزالي أن علم التزكية فرض من الفروض العينية يتعلق بكل المكلفين، وقال: "وهذا النوع من الطب واجب تعلمه على كل ذي لب؛ إذ لا يخلو قلب من القلوب عن أسقام لو أهملت تراكمت، وترادفت العلل وتظاهرت".
موضوعات ذات صلة:
ماهية الشاكلة وعلاقتها بالمسؤولية الإنسانية؟
مفهوم العقاب في الرؤية التربوية الإسلامية
مفهوم السعادة في الرؤية الأخلاقية الإسلامية
لماذا لا أشعر بأثر القرآن والذِّكر؟ خطوات عملية لإحياء القلب