ما الفرق بين مؤمن «صالح» وآخر «مصلح»؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : روح العبادات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 21
  • رقم الاستشارة : 5139
23/06/2026

هل هناك فرق بين المؤمن الصالح والمؤمن المصلح؟

الإجابة 23/06/2026

مرحبًا بك يا بني، وقد أسعدتني وأثلجت صدري بسؤالك، فكم هو رائع أن يكون هناك شاب في مثل سنك (16 عامًا) يفكر بهذا العمق. فسؤالك يدل على وعي كبير، ورغبة صادقة في فهم مراد الله تعالى، والبحث عن معالي الأمور. أسأل الله أن يبارك في عمرك، وأن ينير بصيرتك، وأن يجعلك قرة عين لوالديك، ومصدر خير لأمتك، وأن يستعملك ولا يستبدلك، ويجعلك هاديًا مهديًّا صالحًا مصلحًا أينما حللت، وبعد...

 

فنعم يا بني، هناك فرق كبير وجوهري بين كل من المؤمن الصالح والمؤمن المصلح، وإن كان كلاهما على خير. فالصلاح هو البداية والأساس، والإصلاح هو الثمرة وذروة السنام.

ولنفهم الفرق بدقة، دعنا ننظر إلى طبيعة الخير في كل منهما:

 

- المؤمن الصالح: هو الإنسان الذي استقام في نفسه، فحافظ على الواجبات والفرائض، واجتنب المحرمات، وحسَّن أخلاقه. هذا الإنسان خيره قاصر على نفسه، أي إنه ينفع نفسه بالدرجة الأولى، فهو كالشمعة التي تضيء مكانًا صغيرًا على قدر حجمها ومكان وجودها.

 

- المؤمن المصلح: هو إنسان تجاوز صلاحُه نَفسَه إلى غيره، فلم يكتفِ بأن يكون صالحًا في ذاته؛ بل سعى بنشاط ليكون سببًا في صلاح الآخرين وهدايتهم، ودعوتهم إلى الخير، وتغيير الواقع من حوله للأفضل. هذا الإنسان خيره متعدٍّ، فهو كالشمس التي تضيء الكون كله.

 

وهناك ثلاثة فروق رئيسية بين الصالح والمصلح، تجعل مكانة المصلح عند الله أرفع وأعلى:

 

1- الأمان من العقاب العام للمجتمعات:

 

إن وجود الصالحين وحدهم في المجتمع لا يمنع وقوع الهلاك العام إذا انتشر الفساد وسكت الجميع، بينما وجود المصلحين هو صمام الأمان الحقيقي للمجتمعات.

 

وقد بيّن الله -سبحانه وتعالى- هذه الحقيقة في القرآن الكريم فقال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [سورة هود: 117].

 

تأمَّل يا بني، لم يقل سبحانه: «وأهلها صالحون»، بل قال ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾؛ لأن المصلح يتحرك ليدفع الفساد، أما الصالح فقد ينعزل ويقول: «نفسي نفسي».

 

وفي الحديث الشريف، أن أم المؤمنين زينب بنت جحش -رضي الله عنها- سألت النبي ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ» [رواه البخاري].

 

2- نظرة المجتمع وردود فعل الناس:

 

هذا الفرق الاجتماعي عجيب جدًّا، ويتلخص في أن الناس غالبًا ما يحبون الصالح؛ لكنهم قد يعادون المصلح!

 

فقبل بعثة النبي ﷺ كان أهل مكة يحبونه ويحترمونه ويسمونه «الأمين»؛ لأنه كان في نظرهم رجلًا صالحًا في نفسه، لا يتدخل في شؤونهم ولا ينتقد عبادة أصنامهم، ولا سوء أخلاقهم. أما بعد البعثة، عندما تحول النبي ﷺ إلى مصلح يغيِّر واقعهم، ويدعوهم لترك الشرك والظلم، عادوه، ورموه بالحجارة، واتهموه بالسحر والجنون!

 

ولذلك قال ورقة بن نوفل للنبي ﷺ في بداية طريق الدعوة: «لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ» [رواه البخاري].

 

وهكذا كل الأنبياء والمصلحين من قبل النبي ﷺ ومن بعده، انظر مثلًا لما قاله قوم صالح –عليه السلام- له عندما نهاهم عن عبادة الأصنام: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وإنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: 62].

 

فالصالح في نفسه لا يصطدم بشهوات الناس، أما المُصلح فيقف في وجه الفساد ليصححه، وهنا تبدأ التضحية.

 

3- الأجر والثواب عند الله:

 

أجر المصلح مضاعف؛ لأنه يأخذ أجره على صلاحه، ويأخذ مثل أجور من اهتدوا على يديه. يقول النبي ﷺ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا» [رواه مسلم].

 

مثلان من القرآن والسنة:

 

- أصحاب السبت:

 

في القرآن الكريم قصة بليغة تلخص لك أصناف الناس تجاه المنكر، وهي قصة بني إسرائيل الذين خالفوا أمر الله واصطادوا يوم السبت. انقسم المجتمع حينها إلى ثلاثة أقسام: العصاة الذين حفروا الخنادق واصطادوا. والصالحون السلبيون الذين لم يعصوا الله؛ لكنهم سكتوا ولم ينصحوا غيرهم؛ بل عتبوا على من ينصح وقالوا لهم: لِمَ تُتعبون أنفسكم بنصيحة هؤلاء؟ والمصلحون الإيجابيون الذين لم يعصوا الله، وقاموا بواجب النصح والإصلاح.

 

وعندما جاء العذاب، من الذي نجا؟ يقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 165].

 

لقد نص القرآن صراحة على نجاة المصلحين ﴿الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾، وسكت عن الصالحين السلبيين إهمالًا لهم، وقد تكون إشارة إلى مقته -جل وعلا- لسكوتهم وسلبيتهم.

 

- أصحاب السفينة:

 

ولقد ضرب لنا النبي ﷺ مثلًا حيًّا يوضح كيف أن المصلح ينقذ المجتمع كله، والصالح السلبي قد يغرق بسببه المجتمع كله. قال ﷺ: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا! فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا» [رواه البخاري].

 

فالخرق هنا هو الفساد والمعصية. لو قال الصالحون في أعلى السفينة: «نحن صالحون ونصلي ولا علاقة لنا بأصحاب الجزء الأسفل»، لغرقت السفينة ومات الصالح والعاصي معًا. لكن المصلح هو من ينزل ويأخذ على يد المفسد ليمنعه، فينجو الجميع.

 

كيف تكون مصلحًا؟

 

يا بني، لا تظن أن الإصلاح يحتاج إلى أن تكون عالمًا فذًّا أو شيخًا كبيرًا. يمكنك من الآن، بين زملائك في المدرسة، وأصدقائك في الحي، وإخوتك في البيت، أن تكون مصلحًا عظيمًا عبر هذه الخطوات:

 

- الإصلاح بالقدوة: عندما يراك أصدقاؤك صادقًا، لا تغش في الامتحانات، لا تتلفظ بألفاظ بذيئة، وتحافظ على صلاتك؛ فأنت هنا تدعوهم بصمت لإصلاح أنفسهم. فالقدوات في هذا الزمن عملة نادرة، فاحرص على أن تكون منهم.

 

- الكلمة الطيبة: إذا رأيت صديقًا لك يسير في طريق خاطئ (ترك الصلاة، إهمال دراسة، نظر إلى المحرمات، رفقاء سوء...)، فلا تفضحه أمام الناس، بل خذه جانبًا وقل له بأسلوب حنون: «يا صاحبي أنت شخص رائع ومحترم، ولا يليق بك هذا الأمر، وأنا أخاف عليك». هذه الكلمة قد تغير مجرى حياته.

 

- الدعوة الرقمية: استخدم حساباتك على وسائل التواصل الاجتماعي في نشر مقاطع مفيدة للعلماء، أو آيات مؤثرة، أو أفكار إيجابية. ابتعد عن التوافه، واجعل صفحتك منبرًا للإصلاح والحث على الخير.

 

ومع هذا كله أوصيك يا بني أن تتسلح بالصبر، متذكرًا وصية لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: 17]. فبمجرد أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر –أي تصبح مصلحًا- ستحتاج فورًا إلى الصبر؛ لأنك قد تواجه بعض السخرية أو الرفض ممن حولك.

 

وختامًا يا بني، أسأل الله –تعالى- أن يُقر عينك بصلاح نفسك، وأن يرفع قدرك بجعلك مصلحًا في الأرض. وتذكر دائمًا أن الأنبياء أُرسلوا مصلحين، والعلماء والدعاة والمصلحون هم ورثة الأنبياء.

 

اللهم حبب لولدنا السائل الإيمان وزينه في قلبه، وكرِّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، واجعله من الراشدين. اللهم اجعله مباركًا أينما كان، وافتح على يديه قلوبًا غُلفًا، وأعينًا عُميًا، وآذانًا صُمًّا، واجعله من أوتاد الصلاح والإصلاح في هذه الأمة. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

كيف يكون «قلب المؤمن» دليله؟

كيف نبني إيمانًا لا ينهار عند غياب «الصحبة الصالحة»؟

هل للإيمان علاقة بعلم النفس؟

 

الرابط المختصر :