كيف نتخلص من الإحباط بسبب سلوكيات بعض الحُجاج؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : روح العبادات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 19
  • رقم الاستشارة : 5004
06/06/2026

أنا فتاة عزباء (27 سنة) أديت فريضة الحج هذا العام لأول مرة مع والديَّ، وقد جئت لأداء هذه الشعيرة العظيمة وفي مخيلتي جلال السيرة النبوية وأخلاق الصحابة الكرام، والإيثار. لكني صُدمت في الواقع ببعض السلوكيات المقارِبة للجفاء والأنانية من بعض الحجاج (كالعدوانية في الطواف، ورمي المخلفات، والتزاحم بالأيدي، وارتفاع الأصوات بالخصومة).

هذه المشاهد أحدثت عندي فجوة نفسية وكدرت صفائي الروحي، وجعلتني أتساءل بحزن: أين أثر العبادة؟ ورجعت من رحلة الحج بإحباط شديد بسبب ما رأيته فيها من هذه السلوكيات، رغم أني قمت بالفريضة على أكمل وجه استطعته فيها والحمد لله. لكني أريد أن أفهم لماذا وكيف يحدث هذا من الحجاج؟ وكيف أتخلص من شعور الإحباط هذا وأركز على عبادتي الشخصية وعلاقتي أنا بالله دون أن يؤثر سلوك الآخرين على سلامة قلبي؟

الإجابة 06/06/2026

مرحبًا بك يا ابنتي، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله أن يتقبل منك ومن والديك حجكم، وأن يغفر ذنبكم، ويشكر سعيكم، وبعد...

 

فإن ما مررتِ به يا ابنتي من «صدمة الواقع» في رحلة الحج هو أمر يمر به كثير من أصحاب النفوس الحساسة والقلوب المشرقة بثقافة السيرة النبوية المثالية. لقد ذهبتِ وفي مخيلتك «مجتمع الصحابة» بسمته وأخلاقه وروحه، وتصورتِ أنك ستلتقين هذا المجتمع فاصطدمتِ بطبائع البشر المتفاوتة. هذا التباين أحدث لديك إنكارًا معرفيًّا ووجدانيًّا، وهو أمر طبيعي جدًّا، لكن العلاج يكمن في فهم طبيعة هذه الرحلة العظيمة، وما ينبغي للمؤمن أن يوطن نفسه على ما يمكن أن يلاقيه فيها.

 

لماذا نرى سلوكيات سيئة من بعض الحجاج؟

 

هناك عدة أسباب، منها:

 

- التفاوت الثقافي والمعرفي: الحج هو المؤتمر الإنساني الأكبر على وجه الأرض؛ يجتمع فيه ملايين البشر من شتى البقاع، من بيئات بدوية، وقروية، ومدنية، وثقافات تختلف في فهمها للنظام والمساحة الشخصية. فما ترينه جفاءً وأنانية، قد يراه غيرك (بسبب جهله أو بيئته أو ثقافته) مجرد عفوية أو شيئًا عاديًّا، أو رغبة حثيثة لإقامة الشعائر!

 

- الزحام والحر الشديدان: فتحت تأثيرهما، ومع التعب الجسدي، وقلة النوم، والخوف من فوات المناسك، ينشط لدى بعض الحجاج سلوك غريزي لحماية أنفسهم ومَن معهم، فينسون التوجيه الأخلاقي تحت وطأة الإجهاد.

 

- الحج اختبار وتهذيب للطبائع: إن الله -عز وجل- لم يشرع الحج ليكون رحلة سياحية ترفيهية؛ بل هو قطعة من الجهاد. ولأن الله يعلم طبيعة البشر وظروف أداء الفريضة من تزاحم وجهد وحر واختلاط، فقد وضع لها آدابًا خلَّدها في القرآن ليرفعها الحجاج شعارًا على مر الأزمان؛ قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197].

 

فلو كان الحج لا يقع فيه تزاحم، ولا سلوكيات خاطئة من بعض الحجاج، لما كان هناك معنى لقوله تعالى: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. فوجود هذا النهي في الآية دليل قاطع على أن هذه السلوكيات البشرية متوقعة الحدوث، وأن الاختبار الحقيقي لك هو كيف تضبطين نفسك وسط هذا الخضم الهائل من البشر، وتحافظين على سكينتك وخشوعك.

 

كيف تتخلصين من شعور الإحباط؟

 

يا ابنتي، إن الإحباط يأتي من توقع المثالية من البشر، والشفاء منه يأتي من توقع النقص منهم، وطلب المثالية من الله وحده. وإليك هذه الخطوات للخروج من هذه الحالة، واستعادة صفائك النفسي:

 

1- استحضار الهدي النبوي:

 

في حجة الوداع، لم يكن كل من حول النبي ﷺ من كبار الصحابة الفقهاء، بل كان هناك أعراب حديثو عهد بالإسلام، وحدث تزاحم شديد لدرجة أن النبي ﷺ كان يوجههم بنفسه.

 

روى البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ سمع وراءه زجرًا شديدًا وضربًا وصوتًا للإبل، فأشار بسوطه إليهم وقال: «أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكمْ بِالسَّكينَةِ، فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ»، والإيضاع هو إجبار الدابة على الإسراع في السير، بالضرب وغيره.

 

فواجه النبي ﷺ السلوكيات الخاطئة بالرحمة والتعليم وتوجيه الناس للسكينة، دون إحباط ودون غضب، وعلَّمهم أن البر في الهدوء والرفق.

 

2- تغيير زاوية الرؤية:

 

لقد ركزتِ يا ابنتي بعينيك -بسبب غيرتك على الدين- على النواحي السلبية؛ لكن مشهد الحج في كل مناسكه وفي كل عام، يحفل بكثير من المشاهد الإيجابية الطيبة، التي تُطمئن القلب وتجلب له السكينة والفرح والانشراح.

 

دعينا نتذكر مشاهد أخرى، أُجزم أنك قد رأيت بعضها:

 

ألم تسمعي دوي البكاء والتضرع في عرفات ومزدلفة؟

 

ألم تري شابًّا يحمل أمه على كتفيه طوال الطواف؟

 

ألم تري زوجًا يظلِّل على زوجته وهي تصلي تحت الشمس؟

 

ألم تري متطوعين يوزعون الأطعمة والماء البارد ويبتسمون في وجوه الحجيج؟

 

وغيرها وغيرها من صور التراحم والإيثار.

 

إن وجود بعض السلوكيات الخاطئة لا ينفي وجود ملايين القلوب الممتلئة شوقًا ورحمة وسكينة وتفضلًا. فكلما داهمت ذهنك الصور السلبية، استحضري الصور الإيجابية وتأملي فيها.

 

حماية قلبك والتركيز على علاقتك بالله

 

الهدف الأسمى الآن يا ابنتي، هو العودة من هذه الرحلة المباركة بـ«قلب سليم». وفي هذا الصدد أقترح عليك الآتي:

 

1- التفرقة بين «دائرة التأثير» و«دائرة الاهتمام»:

 

إن الواقع من حولنا يا ابنتي ينقسم إلى دائرتين:

 

·دائرة الاهتمام: وهي الأمور التي تقلقك لكن لا تملكين سلطة تغييرها (كسلوكيات الحجاج الآخرين)، فالتركيز هنا يورث العجز والإحباط.

 

· دائرة التأثير: وهي أوسع بكثير، وتشمل الأمور التي تقع تحت سيطرتك الكاملة (صلاتك، دعاؤك، لسانك، نظافة مكانك، رفقك بوالديك... إلخ).

 

إنك يا ابنتي أديت الفريضة على أكمل وجه والحمد لله، وهذا يعني أنك نجحت تمامًا في دائرة تأثيرك. أما تقصير الآخرين، فالله تعالى يقول فيه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الإسراء: 15]، فلماذا تحمِّلين نفسك همًّا لن تحاسبي عليه وغير مسؤولة عنه؟!

 

2- التماس الأعذار وحسن الظن:

 

فالحاج الذي رأيتِه يدفع بيده أو يصرخ، لعله مريض، أو لعله يخشى على زوجته الضعيفة من السقوط، أو لعله جاهل لم يتعلم، أو لعل الإجهاد أذهب عقله.

 

وروي عن بعض السلف: «إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرًا، فإن لم تجد له عذرًا فقل: لعل له عذرًا لا أعلمه». هذا التدريب العقلي يفرغ الشحنة الغاضبة من قلبك فورًا ويستبدل بها الرحمة والدعاء لهم بالهداية.

 

3- كتابة مذكرات الحج الإيجابية:

 

حاولي تسجيل المواقف الجميلة فقط التي عشتها مع والديك كتابة، واللحظات التي شعرتِ فيها بالقرب من الله عند الكعبة أو في عرفات. هذه الكتابة تعيد برمجة العقل الباطن على تذكر الجمال وتنحية القبح.

 

4- الاستغفار عن الآخرين:

 

كلما تذكرتِ مشهدًا سلبيًّا أغضبك، قولي: «اللهم اغفر لهم واهدهم». هذا يحول الإحباط إلى حسنات جارية في صحيفتك، ويغيظ الشيطان الذي يريد إفساد حجتك بالحزن والحسرة.

 

5- استشعار بشرى النبي ﷺ:

 

ما دمتِ يا ابنتي قد تجنبتِ في حجك ما نهى الله -عز وجل- عنه، فقد تعرضت لبشرى النبي ﷺ: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفَثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» [رواه البخاري]. ولا يضرك -بفضل الله- ما فعله غيرك.

 

وختامًا يا ابنتي، ليكن حجك دافعًا لك لتكوني قدوة في مجتمعك بأخلاقك، ورفقك، وطهارتك، واحمدي الله أن هداك لجميل الأخلاق، واسأليه الثبات.

 

تقبل الله حجتك، وغفر ذنبك، وجبَر قلبك، وبدَّل إحباطك انشراحًا ورضًا ويقينًا، وكتب لك الأجر كاملًا موفورًا. وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلِّم.

 

روابط ذات صلة:

كيف نضبط أعصابنا وسلوكياتنا تجاه فوضوية بعض الحجاج؟

الرابط المختصر :
hacklink satın al betpas queenbet holiganbet casinoroyal betvole jasminbet betplay casinodior bahiscasino