يمنعها الحياء من تعلم دينها.. كوني كنساء الأنصار

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : روح العبادات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 290
  • رقم الاستشارة : 2951
14/10/2025

أنا طالبة في ثانوي، ومشكلتي إن عندي حياء شديد زيادة عن اللزوم، خصوصًا في الحاجات اللي ليها علاقة بفقه البنات زي أحكام الدورة الشهرية والوضوء والغُسل. أمي للأسف مابتتكلمش معايا في المواضيع دي خالص، وده اللي خلاني دايمًا مكسوفة أسألها أو أسأل مدرسة الدين أو أي حد كبير فاهم. ولما بادخل النت أبحث باحتار من كثرة الآراء، وساعات مش بلاقي اللي عايزاه بالضبط، ومش عارفة أبحث فين وإزاي!

المشكلة إني بسبب الكسوف والعجز ده ده ساعات بَطَنِّش حاجات مهمة في الطهارة والصلاة، وبخاف أكون صليت وأنا مش طاهرة صح!

أنا خايفة جدًّا من الذنب والتقصير، مع إني والله مش قاصدة أهمل، بس الحياء هو اللي بيوقفني.

أعمل إيه علشان أتعلم ديني؟ وهل أنا كده عليا ذنب؟

الإجابة 14/10/2025

مرحبًا بك يا ابنتي، وأشكرك جزيل الشكر على هذه الثقة التي وضعتِها في بوابتنا، وعلى شجاعتك وإقدامك على طرح هذا السؤال المهم، الذي ينم عن حرصك على دينك، ورغبتك الصادقة في أن تكون عبادتك صحيحة ومقبولة، وهذه علامة خير عظيمة، وأسأل الله -تعالى- أن يفتح عليك فتوح العارفين، وأن يرزقك العلم النافع والعمل الصالح، وأن يُذهب عنك كل حرج أو خجل يقف حائلًا بينك وبين تعلم ما ينفعك في دينك ودنياك، وبعد...

 

فضل الحياء والفرق بينه وبين العجز

 

يا ابنتي العزيزة، إن الحياء خُلق عظيم، وهو خلق الإسلام المميز، يقول النبي ﷺ: «إنَّ لِكُلِّ دينٍ خُلُقًا، وإنَّ خُلُقَ الإسلامِ الحياءُ» [رواه ابن ماجة]، ويقول: «والحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» [رواه البخاري]؛ بل هو «خَيْرٌ كلُّهُ» [رواه مسلم].

 

ولكن يا ابنتي، مثل كل فضيلة، لا بد لها من توازن. فالحياء المحمود هو الذي يحجزك عن فعل القبيح، أو قول الفحش، أو التهاون في حقوق الناس. أما إذا تحول الحياء إلى حاجز يمنعك من تعلم ما أوجب الله عليك، أو يوقعك في التقصير في عباداتك، فهذا النوع لا ينبغي أن نسميه حياءً شرعيًّا، بل هو عجز أو خجل أو سوء فهم لمقاصد الشرع.

 

لقد ضربت أمهات المؤمنين والصحابيات أروع الأمثلة في الجمع بين الحياء وطلب العلم. فقد كانت عائشة -رضي الله عنها- تقول مادحةً نساء الأنصار: «رَحِمَ اللَّهُ نِسَاءَ الْأَنْصَارِ، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ» [رواه مسلم]. فانظري يا حبيبتي، كيف أن طلبهن للفقه لم يكن منافيًا لحياء المرأة الفاضلة، بل هو دليل على كمال عقلها وحسن دينها. هذا هو المنطلق الذي يجب أن يكون في قلبك: العلم الشرعي لا يُناقض الحياء، بل هو أولى ما يُزاح لأجله الحياء الذي يمنع الخير.

 

هل عليك ذنب بسبب التقصير السابق؟

 

بما أنك لم تقصدي الإهمال، وأن السبب كان هو الخجل المانع لك من السؤال، فأرجو أن يتقبلك الله بعظيم لطفه ورحمته. إن القاعدة الشرعية تقول: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [رواه البخاري]، ونيتك كانت سليمة، وهدفك كان هو تعلم الطهارة الصحيحة، ولكن هذا النوع من الخجل قد أبطأك عن هذا الطريق. والله تعالى رحيم بعباده، وقد رفع المؤاخذة عن بعض الأخطاء التي تقع بغير قصد أو عن جهل، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 5]. وبما أن قلبك لم يتعمَّد الإهمال، بل كنتِ في حيرة وتأخرتِ بسبب الخجل، فنرجو لك المغفرة والمسامحة من الله.

 

لكن الذنب والتقصير يبدأ من الآن فصاعدًا، إذا علمتِ بخطورة الأمر ولم تبادري إلى التعلم وتجاوز هذا الخجل. فعليك أن تعزمي على التعلم والعمل الصحيح من الآن. فافتحي صفحة جديدة، واجتهدي في التأكد من صحة عبادتك في المستقبل.

 

ماذا تفعلين لتعلم دينك؟

 

الطريق إلى العلم ميسور، وبما أنك قد عرفتِ المشكلة، فالآن نضع لك حلولًا عملية وواقعية لتجاوز هذا الحاجز:

 

1- كسر حاجز الحياء مع القريب:

 

* مع الأم: حاولي التمهيد لها للحديث. فيمكنك أن تبدئي بسؤال عام عن واجب مدرسي أو قصة سمعتها، ثم تتدرجي. أو اكتبي لها رسالة لطيفة تعبرين فيها عن حرجك وحاجتك لمعرفتها في هذه الأمور الخاصة. تذكري أن الأم هي أحن الناس عليك، ولن تجدي منها إلا العون والمساعدة.

 

* المعلمة أو المستشارة: اختاري المعلمة أو المستشارة التي ترتاحين إليها، وتحدثي معها على انفراد. يمكنك أن تقولي ببساطة: «يا أستاذة، عندي بعض الأسئلة الخاصة بفقه البنات وأحكام الطهارة، ولكني أشعر بحياء شديد، فهل يمكن أن تشرحي لي بشكل مبسط ومختصر؟». ثقي أنها ستتفهم موقفك وتساعدك. وتذكري دومًا أن الصحابيات كنَّ يسألن الرسول ﷺ مباشرة عن أدق التفاصيل الخاصة بالمرأة، ولم يكن يُنكر عليهنَّ، بل كان يُجيبهنَّ بكل رحمة ووضوح.

 

2- البحث المنهجي عبر الإنترنت:

 

المشكلة في بحثك يا ابنتي هي «كثرة الآراء» و«عدم معرفة مصدر موثوق»؛ ما جعلك تحتارين في المنهج وكيفية البحث. وهذا هو مفتاح الحل:

 

* التحديد: لا تبحثي بكلمة عامة. حددي سؤالك بدقة. على سبيل المثال، بدلًا من «أحكام الطهارة»، اكتبي في محرك البحث: «كيفية الغُسل من الدورة الشهرية خطوة بخطوة» مثلًا، أو: «أحكام دم الاستحاضة والوضوء». هذا التحديد يقلل من تشتت النتائج.

 

* الاعتماد على مصدر واحد موثوق: اختاري موقعًا إسلاميًّا كبيرًا وموثوقًا، وله منهج واضح ومعروف بين أهل العلم (مثل المواقع الرسمية، ودور الإفتاء الكبرى في بلدك أو العالم الإسلامي، أو قنوات أهل العلم الثقات). اجعليه مرجعك الأساسي في هذه الفترة. لا تتنقلي بين المواقع حتى لا تقعي في الحيرة التي عانيتِ منها سابقًا.

 

* الدروس المسموعة والمصوَّرة: قد يكون سماع درس أو محاضرة صوتية أو مرئية منظمة أسهل وأكثر نفعًا لك في التعلم من القراءة. ابحثي عن شروح مبسطة وموجهة لأحكام الطهارة الخاصة بالفتيات المبتدئات.

 

* مراسلة المواقع الموثوقة التي تقدم الفتاوى: وهي الطريقة التي لجأتِ إليها، وهي الأفضل لك. ونحن في بوابتنا هذه نرحب بك وبكل أسئلتك، ونُقدِّر حياءك، ونعدك بالرد الذي يريح قلبك ويُصحح عبادتك.

 

3- الدعاء والاستعانة بالله:

 

الدعاء هو سلاح المؤمن القوي. ادعي الله أن يزيل عنك هذا العجز الذي سببه الخجل، وأن يرزقك الجرأة على طلب العلم. ردِّدي: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِك مِنَ الْعَجْزِ وَالْكسَلِ»، واطلبي من الله أن ييسر لك الصحبة الصالحة التي تعينك على التعلم. وتذكري قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكمْ﴾ [سورة غافر: 60].

 

وختامًا يا ابنتي، تذكري دائمًا أن الله شرع لنا هذه الأحكام -أحكام الطهارة والغُسل والوضوء- ليس ليعذبنا أو ليعقِّد علينا حياتنا، بل ليطهرنا ويجعلنا مستعدين للقائه -سبحانه وتعالى- في الصلاة بأحسن صورة. وهذا الفقه الخاص بالنساء هو جزء من ديننا، وهو دليل على اهتمام الشريعة بكل تفاصيل حياتنا.

 

ضعي نصب عينيك قول النبي ﷺ: «طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كلِّ مُسْلِمٍ» [رواه ابن ماجة]. فالتعلم فريضة، وما يمنعك من الفريضة ليس بالحياء محمود.

 

ابدئي الآن، وكوني مطمئنة، فالله -سبحانه وتعالى- سيعينك، وما دام في قلبك هذا الحرص، فثقي بأن الخير قادم، وأن صلاتك القادمة ستكون أصح وأكمل بإذن الله.

 

بارك الله فيك وفي حرصك، ونسأل الله أن يجعلك من الفاضلات المتفقهات في دينه. لا تترددي في مراسلتنا مجددًا إذا احتجتِ لأي تفصيل.

 

روابط ذات صلة:

كيفية طلب العلم الشرعي

الحياء في الثقافة الإسلامية.. قيمة منسية في عالم مفتوح

ظاهرة الخجل من التشريعات الإسلامية!

كيف نحقق الحياء في أخلاقنا؟

الرابط المختصر :