كيف يكون الشتاء «ربيع المؤمن» رغم البرد والمشقة؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : روح العبادات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 144
  • رقم الاستشارة : 3796
10/01/2026

مع دخول الشتاء والبرد الشديد، نسمع من المشايخ جملة: "الشتاء ربيع المؤمن".

وأنا ست بيت، بصراحة لا أحب الشتاء، لأني باحس فيه بمجهود وعبء كبير عليا؛ النهار قصير جدًا وبيخلص بسرعة بين المطبخ وتنظيف البيت ومذاكرة الأولاد، والليل طويل جدا والواحد بيكون كسلان وعايز ينام ومش قادر يقوم من تحت البطانية لشدة البرد.

فيعني إيه إن الشتاء ربيع المؤمن؟ مع إنه فصل برد وتعب ومجهود.

وليه الشتا بالذات هو اللي اتقال عليه كده من دون فصول السنة؟ وهل فعلًا فيه ميزة روحية عن غيره؟

وإزاي أكسر حاجز الكسل اللي بيجي مع البرد؟ زي مثلًا مشقة الوضوء بالمياه الساقعة، وقمة الصعوبة إني أقوم من السرير عشان أصلي.

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابة 10/01/2026

مرحبًا بك أختي الكريمة، وأسأل الله العظيم أن يبارك في عمرك، وفي بيتك وأولادك، وأن يرزقك دفء الإيمان الذي يُهوِّن برد الشتاء، ويشرح صدرك لكل طاعة، وبعد...

 

معنى: «الشتاء ربيع المؤمن»

 

هذه الجملة ليست مجرد عبارة أدبية؛ بل هي حقيقة إيمانية عميقة وردت في الأثر عن النبي ﷺ، وإن كانت بسند ضعيف فإن معناها صحيح، فقد رُوي عنه ﷺ أنه قال: «الشِّتاءُ ربيعُ المؤمنِ، قصُرَ نهارُهُ فصامَ، وطالَ ليلُهُ فقامَ» [رواه البيهقي وغيره].

 

والربيع عند العرب هو الوقت الذي تتوفر فيه الأرزاق، وتخضرُّ فيه الأرض، ويسهل فيه الرعي. والمؤمن يجد في الشتاء مرتعًا لروحانياته؛ فالليل الطويل يسمح له بأخذ كفايته من النوم ثم القيام للصلاة والتهجد، دون أن يشق ذلك على جسده، والنهار القصير البارد يسمح له بالصيام دون عطش ودون تعب شديد.

 

تخيلي أنك في رحلة تسوق، وصادفت تخفيضات كبرى على بضاعة ثمينة جدًّا! هكذا الشتاء هو موسم «التخفيضات الإيمانية» إن جاز التعبير؛ حيث تحصلين على أعظم الأجور بأقل جهد بدني ممكن.

 

لماذا الشتاء بالذات؟ وما ميزته الروحية؟

 

للشتاء خصوصية تجعل القلوب تلين، ومن أهم مميزاته:

 

- الغنيمة الباردة: قال النبي ﷺ: «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة» [رواه الترمذي]. وسُميت باردة؛ لأنها غنيمة حصلت بغير تعب ولا مشقة.

 

- خلوة المحبين: ليل الشتاء طويل، يمنحك فرصة لا تتكرر في الصيف. بعد أن ينام الأولاد وينتهي ضجيج البيت، تبقى لك ساعات هدوء وسكينة، هي وقت النزول الإلهي، حيث يقول الله عز وجل: «هل من داعٍ فأستجيب له؟» [رواه البخاري].

 

- تذكير بالآخرة: البرد الشديد يذكرنا بـ«زمهرير جهنم»، وهو العذاب بالبرد الشديد، مما يحرك في القلب الرغبة في الاستعاذة واللجوء إلى الله.

 

كيف تكسرين حاجز الكسل؟

 

أختي الفاضلة، الكسل تحت الغطاء والخلود للدفء في الشتاء محبَّب لدينا جميعًا؛ لكن يمكننا مجاهدة أنفسنا لتركه من أجل عبادة الله -عز وجل- والاستزادة من الفضل، عبر الآتي:

 

1- استحضار أجر المشقة

 

حين تضطرين لملامسة الماء البارد من أجل الوضوء أو الغسل -ولم يمكنك تسخين الماء بأي وسيلة- فتذكَّري قول النبي ﷺ: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء على المكاره...» [رواه مسلم].

 

وكلمة «المكاره» هنا تشمل وضوء الشتاء، حين تكره النفس برودة الماء. تذكري أن كل قطرة ماء تسقط من يدك وهي ترتجف من البرد، تمحو معها ذنبًا وترفعك درجة.

 

2- حل العُقَد بالتدريج

 

حين تناديك نفسك للبقاء تحت الغطاء، ذكريها بأن الصعب هو في خطوة البداية فقط، فبمجرد طرحك للغطاء، والحركة من الفراش، وملامسة الماء لوجهك، سيذهب النوم والكسل. وقد أخبرنا النبي ﷺ أن الشيطان يعقد على قافية رأس أحدنا ثلاث عقد إذا نام. فإذا استيقظ وذكر الله انحلت عقدة، فإذا توضأ انحلت الثانية، فإذا صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان. [رواه البخاري].

 

3- ما لا يدرك كله لا يترك كله

 

إن غلبتك نفسك، ولم تستطيعي المقاومة، وبقيت في الفراشِ، فلا تستسلمي للحرمان الكلي؛ بل اجعلي فراشك محرابًا تتقربين فيه إلى الله وأنت في كامل دفئك؛ حيث يمكنك:

 

- الذِّكر والاستغفار: يمكنك وأنت تحت غطائك أن تملئي ليلك بالتسبيح والتحميد، وتذكَّري فضل الاستغفار في هذا الوقت المبارك، حيث قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 17].

 

- تلاوة القرآن: يمكنك إحياء ليلك تحت الغطاء، بتلاوة القرآن من حفظك أو من الهاتف، حتى تخرجي من الخلاف حول وجوب الطهارة للقراءة من المصحف.

 

- المناجاة والدعاء: استثمري دقائق يقظتك في ليل الشتاء في بث همومك لله، والدعاء لأولادك وبيتك، فسهام الليل لا تخطئ.

 

إن فكرة «المتاح» هذه تكسر عنك شعور الذنب بالتقصير، وتجعل روحك متصلة بالله دائمًا، وكما يقال: «من أدمن قَرع الباب يوشك أن يُفتَح له»، فمن أدمن الذكر وهو في فراشه، يسَّر الله له القيام بين يديه وهو على قدميه في المرات القادمة بإذن الله.

 

وقد كانت فاطمة الزهراء -رضي الله عنها- ابنة رسول الله ﷺ تشتكي من أثر الرحى في يدها ومن عمل البيت، وطلبت من أبيها خادمًا يعينها، فذهب النبي ﷺ إليها وقال لها ولزوجها علي رضي الله عنه: «ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما فسبِّحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبِّرا أربعًا وثلاثين» [رواه البخاري].

 

وأهمس لك أخيرًا أختي الكريمة: تقولين إن يومك يضيع بين المطبخ والمذاكرة، وهذا في حد ذاته «عبادة» تؤجرين عليها إذا استحضرتِ النية، واحتسبتِ الأجر عند الله. فاجعلي من الشتاء فرصة للذِّكر الخَفِي أثناء التنظيف والطبخ وغيرهما من أعمال المنزل.

 

إذا كان النهار قصيرًا فاجعليه مليئًا بـ«سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ». وإذا صار الليل طويلًا فاستثمري آخره ولو بركعتين خفيفتين وأنت ترتدين ما يدفئك، فالله ينظر لقلبك لا لسُمك غطائك. وتذكري قول الله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: 6]، أي إن العبادة في الليل أشد تأثيرًا في القلب.

 

أدعو الله أن يملأ بيتك سكينة ودِفئًا، وأن يبارك لك في وقتك وجهدك، ويجعل الشتاء هذا العام بداية لعهد جديد من القرب منه سبحانه.

 

روابط ذات صلة:

10 عبادات مهمة في فصل الشتاء لا يفوتك أجرها

مدرسة الشتاء التربوية

الرابط المختصر :