الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
5 - رقم الاستشارة : 5338
18/07/2026
تحية طيبة، وبعد:
بناءً على تأملي المستمر وتحليلي للسلوك الإنساني في محيطي استوقفتني ظاهرة فكرية واجتماعية تستحق الدراسة وهي الفجوة الصادمة أحياناً بين النمو البيولوجي للإنسان ونموه العقلي والوجداني. يمر العمر بالجسد وتتراكم السنوات لكن الأدوات السلوكية لبعض الأفراد تظل راكدة في مراحل مبكرة.
ولتوضيح الفكرة التي أقصدها بشكل أعمق نرى في الواقع العملي شخصاً بلغ الأربعين من عمره ويشغل منصباً أو يمتلك عائلة ولكن عند حدوث أول خلاف أو مواجهة تجده يرتد فجأة إلى أدوات سلوكية طفولية أو مراهقة فيلجأ إلى القيل والقال والمنافسات الهامشية أو الخصومة غير الواعية بدلاً من احتواء الموقف بمسؤولية واحترام للوقت. في المقابل قد نجد شاباً في العشرين يمتلك رصانة واتزاناً يفتقر إليها ذاك الأربعيني.
من هنا أتساءل: ما هي العوامل النفسية والبيئية أو حتى الإدراكية التي تؤدي إلى هذا الجمود الارتقائي لدى بعض الأفراد رغم تقدمهم في السن؟ وكيف يتمايز "الوعي الذاتي التفكري" عن "العمر الزمني" في صياغة الهوية الإنسانية؟ وأين تكمن الحلقة المفقودة التي تجعل التطور البيولوجي يسير في طريق والتطور النفسي يسير في طريق آخر؟
أخي
الكريم، سؤالكم
ذو أهمية، ففي وقتنا الراهن أصبحنا نشاهد ونلمس ونتعامل مع تلك الشخصيات التي توجد
فجوة عميقة وواسعة بين نموها العمري والجسدي، وبين تطورها العقلي والوجداني
والسلوكي، فتجد الشخص بلغ سن الشباب أو الكهولة، وربما حصل على تعليم جيد، ويشغل
وظيفة مرموقة، لكن سلوكياته وطريقة تفكيره لا تؤشر على وجود نمو عقلي ووجداني
يوازي عمره البيولوجي، فتجده طفوليًّا يفتقد لدرجات التمييز التي تفرضها مرحلته
العمرية.
استمرار
الطفولية
أخي
الكريم، أصبح
معتادًا أن تجد شبابًا وفتيات يشاركون الأطفال الصغار نفس اهتماماتهم، وربما بنفس
عقليتهم وسلوكياتهم، فتشعر أنك أمام جسد شاب وعقل ووجدان طفل، وهذا
ليس ناشئًا عن مرض عضوي أو نفسي، ولكن راجع إلى عوامل متعددة منها التنشئة غير
المتوازنة، والحماية الشديدة التي يفرضها الأبوان على الأبناء فتغيب معها شخصية
الأبناء، ويظل داخله طفلاً لا يكبر أبدًا، كذلك طبيعة بعض المجتمعات التي لا تُعود
أبناءها على الرجولة وتحمل المسؤولية، لكنها تبث فيهم روح الدعة والاسترخاء.
تحدث
علماء النفس عن متلازمة هي "متلازمة بيتر بان" عن
أولئك الرجال الذين لم ينضجوا، وهؤلاء بلغوا سن الرشد والفتوة ولكنهم لا يستطيعون
مواجهة مشاعرهم والتعامل بمسؤولية معها، وهؤلاء يتسمون بعدم قدرتهم على تخطي مرحلة
الطفولة؛ لذا يواجهون صعوبات في حياتهم الاجتماعية والمهنية بسبب سلوكياتهم غير
المسؤولة.
ورغم
أن منظمة الصحة العالمية لا تعترف بهذه المتلازمة، ولا تدرجها في
دليلها التشخيصي للاضطرابات النفسية، فإن عالم النفس البروفيسور الأمريكي
"دان كيلي" (المتوفى:1996م) تكلم عنها في كتابه "متلازمة بيتر بان:
رجال لم ينضجوا قط" عام 1983م.
وقد
سُميت المتلازمة بهذا الاسم نسبةً إلى الشخصية الخيالية الشهيرة "بيتر
بان"، وهو الفتى السحري الذي يرفض أن يكبر ويظل طفلاً إلى الأبد في جزيرة
"نيفرلاند" الخيالية، هرباً من عالم البالغين ومسؤولياتهم.
وقد
ذكر " دان كيلي" سبع علامات أو مؤشرات على تلك الشخصية، منها:
الشلل
العاطفي:
حيث يعاني هذا الشخص من تبلد المشاعر أو يعبر عن مشاعره بطرق طفولية وغير مناسبة.
البـــطء:
تتسم تلك الشخصية بكثير من اللامبالاة، والتهرب من المسؤولية وتجنب المهام،
والتأخر شبه الدائم في كل شيء.
التحديات
الاجتماعية:
خوفهم من المسؤولية والالتزام، يدفعهم إلى التهرب من العلاقات الاجتماعية والتواصل
مع الآخرين.
التهرب
من المسؤولية: يتهرب هؤلاء من المسؤولية، وينصب تركيزهم على
الاستمتاع باللحظة الراهنة دون تفكير جاد في العاقبة، كذلك يبحثون في الكثير من
الأحيان عن "شماعة" ليلقوا عليها فشلهم وإخفاقهم.
أزمة
في العلاقة مع النساء: حيث يظل هذا الشخص في كثير من الأحيان
متعطشًا لشعور الأمومة من المرأة، وهو ما يسبب أزمة مثلاً في علاقاته الزوجية، حيث
ينظر للزوجة على أنها أمه التي يجب أن توفر له الرعاية والحماية، وليس كزوجة لها
حقوق وواجبات عليه.
أزمة
في العلاقة مع الرجال: في أغلب الأحيان تصطدم تلك الشخصية
بصدامات مع عالم الرجال، حيث ينصب عليهم انتقاد شبه دائم لعدم رغبتهم في تحمل
المسؤولية، وكذلك سلوكياتهم الطفولية المتكررة.
ما
هي الأسباب؟
أما
الأسباب التي تكمن وراء استمرار الحالة الطفولية من بعض الرجال فمتنوعة، ونذكر
منها:
* أخطاء التنشئة الاجتماعية:
فالكثير من هؤلاء يتسمون بضعف النضج الاجتماعي، فهو لم يتعلم معنى الرجولة والنضج
في بيئته الاجتماعية؛ لذلك أصبحت-مثلاً- فترة المراهقة حسب دراسات حديثة تمتد إلى
سن (24) عامًا، ولم يعد الكثير من الأشخاص يمرون بفترات عبور في حياتهم،
بمعنى أن يرتبط انتقاله من مرحلة عمرية إلى أخرى بفترة تهيئة؛ فمثلاً الإناث عندما
يصلن للبلوغ، تتعلم الخروج بالحجاب الشرعي، وأن تتغير طريقة كلامها لتناسب
تطوراتها الجسدية الجديدة، كذلك أن تدرك كيفية فهم الآخرين لكلامها وطريقة
تعبيرها، قبل أن تشرع في الكلام.
* إهمال تحمل المسؤولية: بعض
الأسر تقصر في تعويد أبنائها على تحمل المسؤولية، من خلال كثافة ما توفره لهم من
أسباب الراحة والرعاية، وكما يقولون إذا أردت أن تفسد ابنك فلبِّ له كل
طلباته، وقد كانت بعض الثقافات القديمة عندما يصل الابن للبلوغ تعلمه الخروج
للبرية أو الغابة والصحراء لكي يتعود الرجولة ومواجهة الشدائد، وفي الوقت الراهن
فبعض الأسر تعود أبناءها على العمل في مشاريعهم الخاصة في فترة الإجازة الصيفية
أو حتى في بعض الشركات والمصانع ليكتسب روح الجدية في حياته.
موضوعات
ذات صلة:
لماذا انتشرت عقلية الاستسهال بين الشباب؟
لماذا يلجأ الشباب للتفكير التبريري؟
لماذا تضخم الرقمية إحساسنا بالمعاناة؟