ما أثر الاستغراق في رفاهية الحياة في فتور الهمة الدعوية؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. عادل عبد الله هندي
  • القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 6
  • رقم الاستشارة : 5664
22/08/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية شاب في بداية الثلاثينيات من عمري، أعمل مع مجموعة من الإخوة في النشاط الدعوي الميداني والشبابي منذ سنوات. في بداياتنا كنا نتحرك بشغف ناطح السحاب؛ لا نبالي بالحر أو البرد، ونلتقي الشباب في المخيمات البسيطة والحدائق العامة ونقطع المسافات لزيارة القرى النائية.

ولكن مؤخرًا، وبعد أن فتح الله علينا في معايشنا وأعمالنا الخاصة، لاحظتُ تسللاً تدريجيًّا لرفاهية المعيشة إلى نفوسنا ونشاطنا؛ فأصبحنا لا نرضى بعقد اللقاءات الدعوية إلا في القاعات الفارهة والمكيفة، وننشغل كثيرًا بنوعية الأطعمة والمشروبات في اجتماعاتنا، وأصبح لدى الكثير منا تثاقل شديد عن الخروج للميدان أو تحمل مشاق السفر والدعوة في البيئات الضعيفة.

كيف نتعامل مع هذا المرض الخفي الذي بدأ يهدد همتنا؟ وما المنهجية العملية لإعادة شحذ النفوس دون الوقوع في التحريم الشديد للمباحات؟

الإجابة 22/08/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أيها الأخ الحبيب، وبارك الله في قلبك الحي الذي يقظته حرصًا على ثغور الدعوة.

 

ثم إن ما وصفته بدقة هو التسلل الناعم لداء "الرفاهية الزائدة"، وهو داء يسري في جسد العمل الدعوي سرية النار في الحطب؛ فيورث التثاقل، وينقل الداعية من ميدان الكفاح إلى محراب الدعة والراحة. وإن التمتع بالمباحات أصل إسلامي أصيل، لكن المشكلة تكمن عندما تحول هذه المباحات الداعية من شخص محرك للمجتمع إلى شخص أسير لحاجاته ورفاهيته.

 

ولعلاج هذه الظاهرة وإعادة البوصلة إلى مسارها الصحيح، يمكنك اتباع المنهجية التالية:

 

أولاً: تأصيل خطورة الركون إلى الدعة والرفاهية

 

يجب أن يدرك فريقك الدعوي أن أصل طريق الدعوة قائم على البذل والجهد لا على الراحة والاسترخاء:

 

1. التحذير النبوي من التنافس المادي: ذكّر إخوانك بحديث النبي ﷺ: «فَوَاللَّهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكُكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» (متفق عليه). إن فتح أبواب التوسع في المباحات يولد الركون إليها، ومن اعتاد الوسادة الوفيرة صعب عليه السهر في سبيل الله.

 

2. فقه مراتب الآخرة: بين لهم أن الدرجات العالية في الجنة لا تنال إلا بإجهاد النفس في الطاعات والدعوة، وأن استهلاك الأوقات والهمم في تدقيق نوعية الأطعمة وأثاث القاعات يذهب بصفاء النفس؛ قال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد: 20].

 

ثانيًا: إحياء المنهج النبوي في الخشونة وتدريب النفس

 

لا بد من إيجاد جرعات تربوية عملية تعيد للجسد والروح لياقتهما الإيمانية:

 

1. تربية النفس على الخشونة: «اخشوشنوا، واخشوشبوا، واخلولقوا»، فإن النعم لا تدوم، والداعية الذي لا يستطيع العمل إلا في البيئات المجهزة سيعجز فورًا عن إيصال الرسالة إلى أكثر الفئات احتياجًا في المجتمعات الضعيفة والنائية.

 

2. الضبط الشرعي للمباحات: علمهم القاعدة الجليلة التي أصلها النبي ﷺ: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ مَخِيلَةٍ وَلاَ سَرَفٍ» (أخرجه الحاكم وصححه). فالتوسع الذي يجر إلى العجز والتثاقل يدخل في حد الإسراف المذموم.

 

ثالثًا: خطوات عملية للتعافي الميداني

 

1. برنامج (الدعوة الميدانية الشاقة): فرغوا يومًا في الشهر للخروج إلى المناطق النائية أو الفقيرة، واجعلوا برنامج ذلك اليوم خاليًا تمامًا من مظاهر الرفاهية (طعام بسيط، تنقل عادي، جلسات مفتوحة)؛ ليعتاد الجسد مجددًا على مكابدة المشاق.

 

2. فصل الميزانيات والشكليات: اتخذوا قرارًا مؤسسيًّا بضغط ميزانيات الضيافة والشكليات في اللقاءات الداخلية إلى الحد الأدنى، وتحويل الفائض لصالح المشاريع الدعوية الفاعلة وبناء الشباب.

 

3. الصيام الدوري والرياضة الجماعية: خصصوا أيامًا للصيام الجماعي وأنشطة بدنية جادة، فالجوع الإيماني يرقق القلب وينزع طغيان الرفاهية عن الجوارح.

 

وأنصحك ختامًا بالآتي:

 

• البدء بنفسك: كن القدوة الزاهدة في أوقات العمل الدعوي، ولا تتذمر من سوء الأثاث أو حرارة الجو؛ فالسلوك العملي أبلغ من مئة موعظة.

 

• مراجعة النيات والمقاصد: اتخذوا مجلسًا إيمانيًّا دوريًّا لمراجعة القلب، والحديث عن سير السلف في بذل النفس والمال.

 

وأسأل الله العظيم أن يعصم قلوبكم من فتنة الدنيا، وأن يستعملكم ولا يستبدلكم، ويجعلكم من الدعاة الصادقين المخلصين الذين لا يثنيهم نعيم عن ثغور الحق.

 

روابط ذات صلة:

حزن وفتور وفقدان شغف رغم كثرة النعم.. التفسير والعلاج

كيف نتعامل مع «الملل من النِّعَم» بعد الحصول عليها؟

حين يُصاب الداعية بالفتور وضعف الهمة

التعليقات

الرابط المختصر :