الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
19 - رقم الاستشارة : 4035
04/02/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فضيلة الشيخ: انتشرت في الآونة الأخيرة وثائق مسرَّبة تتعلق بتصرفات أخلاقية منحرفة ومحرمة ومجرّمة، وقد تداولها الناس على نطاق واسع في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وتتضمّن اتهامات خطيرة تتعلق بشخصيات نافذة ومؤثرة.
وسؤالي هو:
- ما الموقف الشرعي والدعوي من تداول مثل هذه الوثائق أو نشرها
- وهل يسهم المسلم في نشرها بحجة كشف الفساد أو فضح الظلم؟
- وهل يختلف الحكم إذا كان المتهمون من الظلمة أو الفاسدين أو الفجرة، أو من الكفار والمعادين للإسلام والمعتدين على شأنه وأهله؟
- وكيف ينبغي للمسلم أن يتعامل مع مثل هذه القضايا من الناحية الإيمانية والدعوية، في زمن كثرت فيه التسريبات، واختلط فيه الصادق بالكاذب؟ وجزاكم الله خيرًا.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
حياكم الله أيها السائل الكريم، وبارك في وعيكم وحرصكم على طلب الموقف الشرعي الرشيد في القضايا المعاصرة الدقيقة؛ فالسؤال في هذا الباب عبادة، وضبط الموقف فيه أمانة.
ولأنّ الموضوع له أهميته؛ من حيث ثقافة المسلم وما ينبغي أن يكون عليه عند التعامل مع الشائعات والمنشورات والوثائق المسربة أو غير المسرّبة، فاسمح لي أن أقدّم لك ولمن يتابعنا ردًّا متوازنًا، منضبطًا بضوابط الشرع الحنيف، وفقا للنقاط التالية:
أولًا: أصلٌ شرعيٌّ حاكم لا يتغير بتغير الوقائع
فالأصل الكلي في هذا الباب هو التثبّت والعدل وحفظ اللسان، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ وقال سبحانه مؤدبًا عباده ومرشدًا لهم: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، وهذه الأدلة أصلٌ جامع في التعامل مع الأخبار، مهما كان مصدرها، ومهما كان المتهم بها، ومولانا الجليل يقول: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّه ۚ﴾، وهذا الدليل يبين بجلاء خطورة الظلم، حتى لو كان لغير المسلم..
ثانيًا: الفرق بين كشف الفساد وإشاعة الفاحشة
واعلم أخي السائل الكريم أنّ كشف الفساد مقصدٌ شرعي، لكن ليس كل طريقٍ إليه مشروعًا. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فإشاعة الفاحشة –ولو على فاسق أو عاص– ليست من الدين، ولا يجوز للمسلم أن يتحوّل إلى ناقلٍ لتفاصيل الرذيلة، أو مروجٍ لها تحت لافتة الوعي أو الفضح.
واعلم أيها السائل بأنّ من أنواع الفقه التي تربينا عليها فقه المآلات، ومن فقه هذا الباب اعتبارُ المآلات، فإن نشر بعض الأخبار –وإن كانت صحيحة– قد يترتب عليه من المفاسد ما يفوق مصلحته، ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة فانتبه!!
ثالثًا: هل يختلف الحكم إذا كان المتهم ظالمًا أو فاسدًا أو كافرًا؟
الميزان الشرعي هنا دقيق، على النحو التالي:
1. الظلم والفساد محرَّمان، وكشفهما بالطرق المشروعة حق.
2. لكن العدل واجب مع الجميع، كما سبق البيان: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾.
3. وقال النبي ﷺ: «إيّاكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث»، فلا يُسوِّغ كون الشخص كافرًا أو فاجرًا: نشر ما لم يثبت، ولا الجزم بما هو محل نزاع، ولا تحويل المسلم إلى أداة في صراع إعلامي أو سياسي.
وللعلم؛ فإن التطور التقني المعاصر في تقنيات الذكاء الاصطناعي جعل من السهل تزوير الحقائق وتزييف الوثائق، فما تراه عينك أو تسمعه أذنك قد يكون محض خيال صُنع لغرض سياسي أو اجتماعي، وهذا يعظم المسؤولية الشرعية في عدم النقل.. ثم إنّ انشغال الأمة بـ "لقيل والقال" وتتبع السقطات هو علامة من علامات الفشل وتفرق الجهود، والمؤمن الحق هو من انشغل بإصلاح نفسه وبناء مجتمعه، وجعل من هاتفه وسيلة لبث الوعي لا منصة لإطلاق السهام على أعراض الخلق، أو إظهار التشفي بشكل أو بآخر، ولنسأل الله الستر والعافية من باب أولى..
وحتى لا نُتّهم بالتفريط أو بالاتهامات المعلبة في هذا الإطار؛ فإنه إذا ثبت قضائيًّا أو واقعًا واقعية وصحة مثل هذه الأمور التي تفضح الفسقة والفجرة والمعتدين؛ فمن حقنا شرعًا أن نفرح؛ لأنه بمثابة قطع لدابر الطغاة والظالمين، وهو محض فضل من الله لعباده، وسنة من سنن الله أن الأيام دول، ولينتبه العقلاء وأصحاب القلوب..
رابعًا: المنهج الدعوي في التعامل مع هذه القضايا
وفقًا لما تعلمناه ودرجنا عليه في تعليمنا الديني وتعاليمنا الأزهرية أن الدعوة إلى الله ليست ملاحقة للفضائح، ولا سباقًا في كشف العورات، ولا استثمارًا للصدمة الأخلاقية؛ وإنما هي بيان للمنهج المنحرف بشكل عام دون تخصيص، وكشف للمنظومات الفاسدة دون هلكة أو مهلكة، وتحذير من القيم المنهارة دون الغرق في تفاصيلها...
قال ﷺ: «من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة»، وإن كان هذا في المسلم فإن الأصل في الدعوة هو الستر لا التشهير، والإنارة لا الإثارة، والتربية لا التعرية، والنصيحة لا الفضيحة.
خامسًا: الموقف الإيماني المطلوب من المسلم
على المسلم في مثل هذه الأحداث أن:
- يحفظ قلبه من التشفي والشماتة.
- ويحفظ لسانه من التسرع في النقل,
- ويحفظ عقله من الانسياق خلف كل ما يُضخ إعلاميًّا.
- ويربط الأحداث بسنن الله لا بالفضائح قال ﷺ: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع».
- ألا يحاكم مثل هذه الأحداث محاكمة عاطفية فيها تشف وفرح لمجرد الفرح؛ بل يلزم أن يحاكمها وفقا لسنن الله في كونه؛ فمن ظلم وأفسد واعتدى وقهر وطغي، لا بد له من يوم كمثل هذا، والحمد لله رب العالمين وحده.
سادسًا: نصائح عملية للسائل ولعموم المسلمين
إليك أيها السائل وإلى كل مسلم ومسلمة:
- لا تشارك في نشر وثيقة أو خبر إلا بعد تحققٍ معتبر.
- لا تنقل الاتهامات؛ بل ناقش الأفكار والأنظمة.
- لا تجعل الفضيحة مادة دعوية.
- اشتغل ببناء الوعي لا بتكديس الصدمات.
- سل نفسك دائمًا: هل هذا يقرّب إلى الله؟ هل فيه مصلحة راجحة؟ هل أتحمل مسؤوليته يوم القيامة؟
وختامًا:
يجب على المسلم ألا ينشر الوثائق المسرَّبة، ولا يُشرع الجزم بما لم يُثبت قضائيًّا أو علميًّا، لكن لا يُمنع التحذير من الفساد بضوابط شرعية عامة، والداعية مطالب بالاتزان لا الانفعال، وبالميزان لا العاطفة، وإن أعظم ما يحتاجه المسلم في زمن الفتن قلبٌ حي، وعقلٌ راشد، ولسانٌ يتقي الله… ونسأل الله أن يرزقنا البصيرة في زمن الفتن، وأن يحفظ ألسنتنا وأقلامنا من الزلل، وأن يجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وألا يجعلنا جسرًا تعبر عليه الفتن إلى قلوب الناس.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلّ الله وسلم على نبينا محمد.
روابط ذات صلة:
قضية إبستين... الوجه العاري للرجل الغربي!
«تسريبات إبستين».. وانهيار معيار التراضي في الفلسفة الغربية