الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : فئات المدعوين
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
273 - رقم الاستشارة : 3701
28/12/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أرجو منكم التفضل بإفادتي والنصح، وجزاكم الله خيرًا.
أنا من روّاد مسجد قريب من منزلي، وأحرص على الصلاة فيه باستمرار، وأقوم أحيانًا بإمامة المصلين في بعض الصلوات عند الحاجة. في الفترة الأخيرة ظهرت في المسجد ظاهرة مؤلمة ومقلقة، وهي كثرة الخلافات والتنافر بين جماعة المسجد، ولا سيما بين بعض كبار السن من الجيران، حول مسائل تتعلق بالإمامة، والأذان، وإدارة شؤون المسجد، وأعمال الصيانة والتنظيم.
كل طرف يريد أن يكون له القرار والكلمة النافذة فيمن يؤم الناس، ومن يؤذن، ومن يتولى شؤون المسجد، مما أدى إلى احتدام النزاعات، واتساع دائرة الخصومة. وقد تطور الأمر – للأسف – إلى أن بعضهم لا يصلي خلف بعض، فإذا أقيمت الصلاة وتقدم إمام لا يرضى عنه أحدهم، يترك الصف ويخرج من المسجد ولا يصلي مع الجماعة. إضافة إلى ذلك، انتشرت الغيبة والنميمة، ومحاولات استقطاب المصلين ليكونوا مع هذا الطرف أو ذاك، مما أفسد جو الأخوة وأضعف حرمة المسجد في النفوس.
حاولت قدر استطاعتي الإصلاح بين الأطراف، فاستمعت إلى الجميع، وسعيت للتقريب وتهدئة النفوس، وتذكيرهم بحرمة المسجد وخطورة الفرقة، لكن محاولاتي لم تُثمر، وبقي الخلاف قائمًا، بل يزداد أحيانًا. وفي الوقت نفسه، أحرص على ألا يُحسب موقفي على أي طرف، حتى لا أكون جزءًا من هذا النزاع أو سببًا في تأجيجه.
فهل الأفضل في مثل هذه الحال أن أترك الصلاة في هذا المسجد وأنتقل إلى مسجد آخر حفظًا لديني وقلبي، وبعدًا عن الفتنة؟ أم أن الأولى الصبر والبقاء مع الاستمرار في النصح والإصلاح؟ وإذا قررت الصلاة في مسجد آخر، فماذا أقول لهم إن سألوني عن سبب غيابي أو عدم صلاتي معهم، حتى لا أزيد الخلاف أو أفتح بابًا جديدًا للمشاكل؟
أرجو توجيهكم الشرعي في هذه المسألة، ونصيحتكم فيما هو أقرب إلى رضوان الله وأحفظ لوحدة المسلمين.
وجزاكم الله خير الجزاء.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الفاضل، وأشكرك بداية على ثقتك بنا وتواصلك معنا، سائلًا الله -عز وجل- أن يبارك في حرصك، وأن يجزيك خيرًا على سعيك في الإصلاح، وأن يجعل ما تبذله من جهد في ميزان حسناتك. وأسأل الله أن يصلح ذات بين إخوتك وجيرانك في هذا المسجد، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وبعد...
فإنَّ ما ذكرتَه -يا أخي- هو مما يدمي القلب ويحزن النفس؛ فالمساجد هي بيوت الله، ومنارات الهدى، ومواطن اجتماع الكلمة، ولم تُبنَ إلا لذكر الله وإقامة الصلاة وتأليف قلوب المؤمنين. وعندما تتحول هذه البقاع الطاهرة إلى ساحات للنزاع والمغالبة وحب الظهور، فإن ذلك يعد من أعظم المصائب التي تفتُّ في عضد المجتمع المسلم.
وأنَّ المساجد لله
إنَّ المسجد ليس ملكًا لأحد من الناس، مهما كبر سنُّه أو كثر ماله أو طال جِواره، بل هو لله وحده، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18].
والواجب على من دخل المسجد أن يطرح كبره ودنياه عند الباب، ويدخل عبدًا ذليلًا لله، محبًّا لإخوانه. وما يحدث في مسجدكم من تنازع على الإمامة والأذان هو مدخل من مداخل الشيطان ليُحبط أعمال الناس ويصرفهم عن روح العبادة.
لقد حذَّرنا الله -سبحانه- من التنازع الذي يؤدي إلى الفشل وضياع القوة، فقال عز من قائل: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَفْشَلَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]. وما وصفتَه من خروج البعض من الصف لمجرد عدم رضاهم عن الإمام هو مسلك خطير، وفيه من الكبر وسوء الأدب مع الله الشيء الكثير، فكيف يقدِّم العبد هواه على الوقوف بين يدي ملك الملوك؟
خطورة الفرقة والتحزب في المساجد
إنَّ أخطر ما يواجه المجتمع المسلم هو «الفرقة»، خصوصًا إذا كانت في المسجد الذي شُرعت فيه صلاة الجماعة لتساوي بين الجميع. إن تحويل المسجد إلى أحزاب وجماعات تستقطب المصلين هو استحضار لروح «مسجد الضرار» الذي حذَّر الله منه، لا من حيث البناء، ولكن من حيث الأثر في تفريق المؤمنين.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا» [متفق عليه].
وفي قصص السلف، نجد أنهم كانوا يتنازلون عن حقوقهم الشخصية حقنًا للدماء وجمعًا للكلمة. وتذكر هنا فعل الحسن بن علي -رضي الله عنهما- حين تنازل عن الخلافة وهو الأحق بها، ليحقن دماء المسلمين ويجمع كلمتهم. فأين هؤلاء الكرام -هدانا الله وإياهم- من هذا المنهج الشريف في التواضع وإيثار وحدة المسلمين؟
هل الأفضل البقاء أم الانتقال؟
هذه المسألة تحتاج منك إلى موازنة دقيقة بين المصالح والمفاسد:
1- متى يكون البقاء أفضل؟
يكون البقاء الأولى في حقك إذا كنت تشعر بأن وجودك يمثل «صوت العقل» أو «الميزان» الذي يمنع الأمور من الانفجار الكلي. فصبرك على أذاهم ومحاولتك المستمرة في النصح هو جهاد عظيم، وقد قال النبي ﷺ: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» [رواه الترمذي].
فإذا كنت ترى أن غيابك سيسلِّم المسجد بالكامل لمن لا يحسن الإدارة أو سيزيد من حدة النزاع، فالصبر والبقاء مع تقليل الاحتكاك بالمهاترات، والاستمرار في محاولة الإصلاح والنصح، هو الأقرب لرضوان الله.
2- متى يكون الانتقال أفضل؟
إذا وصلت إلى مرحلة شعرت فيها بأن دينك وقلبك في خطر، وأنك في كل صلاة تخرج مشتت الذهن، محملًا بالضغائن، أو أنك بدأت تنجرف -رغمًا عنك- في الغيبة والنميمة، هنا يصبح الفرار بالدين غنيمة.
إن صلاة الجماعة شُرعت لتحصيل الخشوع، فإذا أصبح المسجد مصدرًا للهم والغم والفتنة، فيجوز لك الانتقال لمسجد آخر طلبًا للخشوع وسلامة الصدر، فسلامة قلبك وصحة عبادتك مقدمة على مراعاة مشاعر المتخاصمين.
ماذا تقول لهم إن سألوك عن غيابك؟
إذا قررت الانتقال لبعض الوقت أو بصفة دائمة، وسألك أهل المسجد الأول عن سبب غيابك، فاحرص على «الهجر الجميل» و «القول السديد» الذي لا يثير فتنة ولا يتضمن كذبًا، وإليك بعض المقترحات:
- استخدام التورية الصادقة: يمكنك القول: «أردت الصلاة في مسجد كذا للقاء بعض الناس لحاجة ما بيننا» وهذا صدق فأنت تبحث عن أناس تحفظ معهم قلبك وخشوعك، أو: «أحببت أن أغير المكان قليلًا لتجديد النشاط»، وهذا صدق أيضًا.
- التركيز على «الخشوع»: يمكنك القول بلطف: «أجد نفسي في هذه الفترة أحتاج إلى مكان هادئ جدًّا لأستجمع خشوعي في الصلاة، ففي السكون حياة للقلب»، وهذه رسالة غير مباشرة لهم بأن صخبهم أثَّر على عبادتك.
- الدعاء لهم بصيغة العموم: إذا سألوك: هل أنت عاتب علينا؟ فقل: «أنتم جيراني وإخوتي، وأدعو الله دومًا أن يجمع قلوبنا على ما يحب ويرضى، وأن يطهر بيوتنا من كل شقاق»، دون أن تدخل في تفاصيل تفتح باب الجدال.
وختامًا أخي الكريم، إنَّ المصلح في قومه كالقابض على الجمر، وما تقوم به من محاولات الإصلاح هو عمل الأنبياء، فلا تحزن إن لم تثمر محاولاتك فورًا، فالهداية بيد الله.
استخر الله في البقاء أو الرحيل، فإن انشرح صدرك للبقاء، فابقَ ناصحًا معتزلًا الفتن، وإن انشرح صدرك للرحيل، فارحل بإحسان.
واعلم أن الدنيا دار ممر، وأن هذه الخلافات ستزول ويبقى العمل الصالح وسلامة الصدر، فاجعل شعارك دائمًا قول الله تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88].
أسأل الله أن يهدي قلوب جيرانك، وأن يعمر مسجدكم بالإيمان والمحبة، وأن يحفظ عليك دينك ويتقبل منك صالح الأعمال.
روابط ذات صلة:
كيف نتعامل مع تنافس الكبار على الإمامة رغم ضعف قراءتهم؟