ماذا أفعل حين لا تصل الرسالة رغم صحة المعلومة؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. عادل عبد الله هندي
  • القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 14
  • رقم الاستشارة : 6030
03/10/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية ألقي دروسًا ومحاضرات منذ سنوات، وأحرص على إعداد مادتي العلمية بصورة جيدة، وأتثبت من الآيات والأحاديث، وأقرأ في الموضوع قبل أن أتكلم فيه. لكنني بدأت أشعر في الفترة الأخيرة أن بعض المحاضرات التي أقدمها لا تترك الأثر الذي كنت أتوقعه.

أحيانًا أتحدث عن موضوع مهم جدًّا، وأشعر أثناء الإعداد أن المادة قوية ومليئة بالأدلة والفوائد، ثم أجد الحضور بعد المحاضرة يتحدثون عن أمور جانبية، أو ينسون معظم ما قيل، بينما إذا تحدث أحدهم في قصة قصيرة أو موقف إنساني أو تجربة حياتية وجد الناس أكثر تفاعلاً.

وقد قال لي بعض الشباب إنهم يحبون العلم، لكنهم لا يحبون الطريقة التي يقدم بها إليهم. وهذا جعلني أتساءل: هل المشكلة في الجمهور أم في طريقة الدعوة؟ وهل يجوز للداعية أن يغير من أساليبه ووسائله حتى لو كان يخشى أن يتحول ذلك إلى «استعراض»؟ وكيف أستفيد من القصة والحوار والتجربة والتقنيات الحديثة دون أن أفقد الجدية العلمية؟

الإجابة 03/10/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أخي الكريم، وبارك الله في حرصك على العلم والدقة. وأظن أن مشكلتك ليست في المادة العلمية بقدر ما هي في السؤال الذي يسبق المادة: هل هذه المعلومة وصلت بالطريقة التي يستطيع الجمهور أن يستقبلها بها؟

 

الدعوة ليست مجرد صحة المعلومة، وإنما هي صحة المعلومة وحسن تنزيلها وحسن عرضها. وقد قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]. والحكمة تقتضي معرفة المخاطب، والوقت، واللغة، والوسيلة.

 

النبي ﷺ لم يكن يقدم الناس جميعًا بطريقة واحدة. كان يسأل، ويحاور، ويضرب الأمثال، ويروي القصص، ويستثمر المواقف، ويجيب عن الأسئلة، ويختصر أحيانًا ويطيل أحيانًا أخرى. وهذا يعني أن تنوع الوسائل ليس تنازلًا عن الأصالة، بل هو جزء من المنهج النبوي.

 

فإذا كان جمهورك من الشباب، فلا تجعل المحاضرة كلها خطابًا من طرف واحد. افتتح بسؤال حقيقي يلامس حياتهم، ثم قدم القصة أو المشكلة، ثم انتقل إلى النص الشرعي، ثم اشرح المعنى، ثم أعطهم تطبيقًا. وبدل أن تقول مثلًا: «الإسلام حث على الأمانة»، ابدأ بقصة شاب عُرضت عليه فرصة للغش في عمله، ثم اسأل: «ماذا كنت ستفعل؟»، وبعد الحوار انتقل إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ بهذه الطريقة يصبح النص الشرعي هو الذي يضيء المشكلة، لا معلومة منفصلة عن الحياة.

 

والقصة ليست ترفًا؛ فالقرآن نفسه مليء بالقصص. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: 111]. لكن احذر من القصص غير الثابتة أو المبالغات التي تنتشر في بعض المواد الوعظية. إذا كانت القصة تاريخية فثبتها، وإذا كانت تجربة شخصية فبيّن أنها تجربة، ولا تنسب إلى النبي ﷺ شيئًا لا يثبت.

 

أما استخدام الوسائل الحديثة، فلا حرج فيه من حيث الأصل إذا كانت الوسيلة مباحة والغاية مشروعة. يمكنك استخدام صورة، أو مقطع قصير، أو استطلاع رأي، أو عرض تفاعلي، أو سؤال مباشر، أو تمرين جماعي. لكن لا تجعل الوسيلة تسرق الرسالة. التقنية تخدم الفكرة ولا تحل محلها.

 

وأوصيك كذلك بأن تنقل بعض دروسك من «المحاضرة» إلى «الورشة». فإذا أردت تعليم الشباب مهارة ضبط الغضب، فلا تكتفِ بالكلام عن الغضب؛ أعطهم موقفًا افتراضيًّا، واطلب من كل مجموعة أن تقترح التصرف، ثم ناقشهم، ثم قدم الهدي النبوي، ثم اطلب من كل واحد أن يكتب خطة للتعامل مع موقف يغضبه.

 

وهنا تتحول الدعوة من «معلومة» إلى «خبرة». والمعلومة قد تُنسى، أما التجربة فتترك أثرًا أعمق.

 

ولا تظن أن نجاح الداعية يعني أن يضحك الناس أو يتفاعلوا معه فقط. قد يكون الجمهور صامتًا لكنه متأثر، وقد يضحك الجمهور على قصة دون أن يتغير شيء. لذلك لا تجعل التصفيق أو الضحك أو عدد المشاهدات معيارًا وحيدًا.

 

اجعل بعد كل برنامج سؤالًا بسيطًا: «ما الشيء الذي ستفعله ابتداءً من غد؟» ثم تابع بعض الحاضرين بعد أسبوع. هنا تعرف حقيقة الأثر.

 

وقد كان من هدي النبي ﷺ مراعاة أحوال الناس، ومن ذلك قوله ﷺ لمعاذ حين أطال الصلاة: أفتان أنت يا معاذ؟، وفيه دلالة واضحة على مراعاة حال الناس في التعليم والدعوة.

 

وأنصحك ختامًا بالآتي:

 

راجع تسجيلاتك، واستخرج المواضع التي ينخفض فيها تفاعل الجمهور، وجرّب تنويع الأساليب، واجعل في كل محاضرة قصة أو سؤالًا أو موقفًا تطبيقيًّا، ولا تكثر من المعلومات التي لا تخدم الهدف، وثبّت الأدلة، ودرّب نفسك على الإلقاء والحوار والتواصل.

 

وأسأل الله أن يفتح عليك في دعوتك، وأن يجمع لك بين صحة العلم وحسن البيان، وأن يجعل كلماتك تصل إلى العقول والقلوب، وأن يرزقك الحكمة والبصيرة وحسن البلاغ.

 

روابط ذات صلة:

بين سرعة المحتوى وعمق الرسالة

حين نخاطب الناس ولا نصل إليهم

التعليقات

الرابط المختصر :