الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
6 - رقم الاستشارة : 5355
18/07/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا طبيب وداعية متطوع في مجال محاورة المشككين، زارني شاب في مقتبل العمر يبكي بحرقة ويقول إنه لم يعد يؤمن بوجود الله بسبب تعرضه لصدمة نفسية قاسية وفقدانه لجميع أفراد أسرته في حادث أليم، حيث يرى أن هذا الألم يتناقض مع رحمة الله وعدله.
أجد نفسي أمام نمط جديد من التحدي الدعوي؛ فالشاب لا يحمل شبهات عقلية أو فلسفية معقدة يمكن الرد عليها بالأدلة الكونية والمنطقية، بل يعاني مما يُسمى "الإلحاد النفسي أو الانفعالي" الناتج عن الصدمة والألم والغضب الداخلي. المشكلة أنني إذا استخدمت معه الأدلة العقلية الجافة والوعظ الزجري شعر بالقسوة وعدم الفهم وتفاقمت أزمته.
وسؤالي: كيف يمكن صياغة منهج حواري ودعوي مبدع وعاطفي يتعامل مع هذه الفئة المكلومة بأسلوب يجمع بين الدعم النفسي واستثارة الفطرة والبيان الشرعي الرصين لاستعادة إيمانهم المفقود؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بك أيها الحكيم الفاضل والطبيب الداعية المبارك، وحيا
الله حرصك وعنايتك الفائقة بمرضى القلوب والنفوس. وإن تشخيصك الدقيق لواقع هذا
الشاب والتمييز بين "الإلحاد العقلي" و"الإلحاد النفسي
الانفعالي" يمثل نصف العلاج، وهو مظهر من مظاهر "الحكمة والدقة في مناهج
الدعوة ووسائلها"؛ فالخطأ في اختيار الأداة الدعوية والمنهج الحواري المناسب
لحال المدعو قد يؤدي إلى نتائج عكسية تمامًا، ويدفع الشاب نحو الارتماء في أحضان
الجحود والضياع التام.
إن منهج القرآن
الكريم وهدي النبي ﷺ في التعامل مع النفوس المكلومة والقلوب المكسورة جراء المصائب
والابتلاءات يقوم أساسًا على الرحمة، والرفق، والمواساة العاطفية، واحتواء الألم
قبل البدء في المحاكمة العقلية أو الوعظية؛ فالله عز وجل يقول لنبيه الكريم في
بيان أثر الرفق في جذب القلوب: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ
وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:
159]. والنبي ﷺ حين مر بامرأة تبكي عند قبر لفقد ولدها، لم يزجرها أو يتهمها بضعف
الإيمان، بل قال لها برفق حانٍ: «اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي» [رواه
البخاري].
إن صاحب
"الإلحاد النفسي" لا يحتاج إلى براهين على وجود الله؛ لأنه يعلم في
قرارة فطرته بوجوده سبحانه، وإنما مشكلته الحقيقية هي عجز عقله ونفسه تحت وطأة
الصدمة عن استيعاب "حكمة الابتلاء والألم"، وتحول الحزن إلى غضب وتساؤل
انفعالي ينعكس على شكل إنكار وجحود.
ولصياغة منهج
حواري مبدع ومؤثر مع هذه الفئة، يجب تبني استراتيجية "الاحتواء العاطفي أولاً
ثم البناء المعرفي ثانيًا".
والخطوة الأولى
والأساسية هي "الإنصات الإيجابي الكامل" لمشاعر الشاب، والسماح له
بالبوح بكل آلامه، وغضبه، وحزنه دون مقاطعة، ودون إطلاق أحكام شرعية فورية عليه
بالتكفير أو الفسوق؛ فالشاب يحتاج أولاً إلى ركن آمن يشعر فيه بالتعاطف الإنساني
والأمان النفسي. يجب أن يسمع منك كلمات المواساة الصادقة: "أنا أشعر بوجعك
العظيم، ومصيبتك قاسية تفوق الوصف، وحزنك طبيعي وإنساني". هذا المسح العاطفي
يهدئ الفوران النفسي الداخلي ويهيئ عقل الشاب للاستماع والتدبر.
الخطوة الثانية
هي "استثارة الفطرة وإعادة قراءة مفهوم الابتلاء". بعد هدوء العاصفة
النفسية، يتم الانتقال برفق إلى تفكيك الأزمة؛ ببيان أن وجود الألم والمصائب في
الدنيا ليس دليلاً على غياب الرحمة الإلهية، بل هو من طبيعة الدار التي جُبلت على
الكدر والامتحان لتميز الصابرين، وأن الموت ليس نهاية المطاف والعدم، بل هو بوابة
للانتقال إلى دار العدل المطلق والجزاء الأوفى حيث يُعوض المكلومون والصابرون
بعطاء ينسيهم كل آلام الدنيا، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى
الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].
ركّز في محاورتك
على "وظيفة الألم" في صقل النفوس وتقريبها من الله، واذكر له كيف أن أشد
الناس بلاءً هم الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، ورغم ذلك كانوا أعظم البشر حبًّا لله
وإيمانًا برحمته وعدله، لتتحول نظرته للمصيبة من كونها "انتقامًا" إلى
كونها "امتحانًا وتقديرًا إلهيًّا" يحمل في طياته ألطافًا خفية وحكمًا
بالغة قد يعجز عقلنا البشري المحدود عن إدراك كنهها كاملاً في الحال.
وأنصحك ختامًا
بالآتي:
• لا تدخل مع
صاحب الإلحاد النفسي في جدليات منطقية أو مناظرات جافة حول أدلة الوجود؛ لأن ذلك
يزيده شعورًا بالافتراق العاطفي، بل ركز كل جهدك على قيم الرحمة، واللطف، والرضا
بالقضاء والقدر.
• استخدم أسلوب
"القصص والنماذج الواقعية" لأشخاص تعرضوا لصدمات مماثلة وكيف استطاعوا
من خلال الإيمان تجاوز أزماتهم وتحويل الألم إلى أمل وصناعة إيجابية في المجتمع.
• تابع حالته
الصحية والنفسية، وإن لزم الأمر فلا تتردد في إحالته بالتوازي مع الحوار الدعوي
إلى أخصائي نفسي مسلم ثقة لمساعدته على تخطي آثار الصدمة والحداد
وأسأل الله
العظيم، رب العرش العظيم، أن يسدد لسانك وقلمك، وأن يجعلك بلسماً شافياً لقلوب
الحائرين والمكلومين، وأن يقر عينك برؤية هذا الشاب وقد عاد إلى واحة الإيمان
والسكينة، ويجعل جهدك في موازين حسناتك ورفعة لدرجاتك.
روابط ذات صلة: