لماذا يؤمن البعض بالدجل ويرفضون الحقيقة؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 6
  • رقم الاستشارة : 5177
25/06/2026

نلاحظ انتشار الدجل بصورة واسعة من المجال الطبي حتى الاجتماعي والثقافي..  فلماذا يؤمن البعض بالدجل وكيف يؤثر الدجل على عقولنا؟

الإجابة 25/06/2026

أخي الكريم، أتفق معك أن مما يثير الاستغراب في الحياة أن تجد أن ناسًا يتعاطون مع الدجل باقتناع كبير، بغض النظر عن مستواهم التعليمي والاجتماعي؛ بل يدفعون الكثير من الأموال للدجالين ظنًّا أن هؤلاء يمتلكون حلاً لمشكلاتهم وقدرة على إنهاء معاناتهم.

 

الدجل والتضليل

 

الدجل في اللغة هو التمويه والتغطية والخلط، وجاء منه اسم "الدجال" والذي يعني الشخص المخادع الكذاب المحتال الذي يدّعي زورًا امتلاك قدرات ومعرفة لا يمتلكها الآخرون، وغالبًا ما يرتبط الدجل بالرغبة في استغلال الناس للحصول على أموالهم أو منافع منهم.

 

والدجل عرفته غالبية المجتمعات الإنسانية، فقد رافق الدجل والدجالون مراحل التاريخ الإنساني، وامتلكوا سطوة على بعض الناس، وكان نفوذهم يزداد واقتناع الناس بأكاذيبهم في أوقات الأوبئة والأمراض المستعصية ولحظات الغموض وغياب اليقين.

 

كان الدجالون في السابق، غالبيتهم من ذوي الإعاقات، ولكن في وقتنا الحاضر أصبح بعضهم يحمل درجات علمية، ويلبس أفخم الثياب وربما يجيد أكثر من لغة.

 

الدجل ينمو من خلال الدعاية الشفهية التي يرددها بعض الأشخاص الذين يدّعون شفاءهم بالدجل، وقد فسّر العلم هذا الشفاء الموهوم في بعض الحالات بما أسماه الاضطراب النفسي الجسدي، إذ تفيد في بعض الأحيان العواطف والحالة النفسية في تحقيق بعض التعافي، حيث تُنشط الحالة النفسية النبضَ والجهاز المناعي وبعض الغدد، مما يُشعر الشخص بوجود تحسين صحي، ولكن ليس للدجل أي علاقة بهذا الشفاء.

 

في بعض الدولة يبلغ الإنفاق على الدجل مبلغًا كبيرًا للغاية؛ ففي تقرير صدر رسمي في مصر من عدة سنوات بلغ خمسة مليارات دولار، وأنه تم رصد قرابة 300 ألف شخص يعملون في مجال الدجل والشعوذة في مصر.

 

وبلغ حجم سوق العلاج بالطاقة عام 2023م عالميًّا حوالي (78) مليار دولار، ويتوقع أن يتوسع هذا السوق ليصل إلى (394) مليار دولار عام 2030م.

 

والدجل يمتد إلى الدول الكبرى وكبار سياسيها، فقد استعان الرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريجان وزوجته، خلال فترة حكمه، بالمنجمة جوان كويجلي، واستشارها بخصوص السباق إلى البيت الأبيض، وتوقيت اتخاذ قرارات سياسية مصيرية، من أبرزها قصف ليبيا، في 15 أبريل 1986.

 

الدجل جوهره نفسي

 

في كتاب "الدجل: تاريخ موجز لأسوأ طرق العلاج لكل شيء" للطبيبة والروائية الأمريكية " ليديا كانغ" والمؤرخ "نيت بيدرسن" تحليل علمي وثقافي حول الدجل في المجال الطبي وأغرب وأسوأ العلاجات الزائفة في تاريخ الطب، مثل استخدام الزئبق أو الزرنيخ كعلاجات.

 

يرى الكتاب أن الرغبة في الحياة والشفاء كان وراء لجوء الإنسان إلى الدجل في العلاج، فمثلاً كان العثمانيون يأكلون الطين ظنًّا أنه يمنع الإصابة بالطاعون، وكان الإنجليز يجلسون في غرفة بخار الزئبق لعلاج الزهري، وكان مرضى الصرع في روما القديمة يشربون دم المصارعين، والسر الكامن وراء هذا التعاطي مع الدجل هو الرغبة الهائلة التي تتملك الإنسان في الحياة والشفاء.

 

وقد قاوم الإنسان الأمراض والأوبئة بالخرافات، فعدم قدرة الطب على توفير علاج لمرض ما أو تحقيق الشفاء في وقت معين، نظرًا لعدم التوصل جينها إلى الدواء، فإن ذلك يفتح الباب أمام القبول النفسي والعقلي بقدرة الدجل على تحقيق المعجزة.

 

والسبب وراء سيطرة الدجل على العقل، هو وجود تحيزات معرفية للشخص تجعله ينحاز ضد معلومات ويقبل معلومات أخرى مضللة؛ ففي دراسة علمية صدرت عام 2022م عن تأثير المعلومات المضللة على العقل، ذكرت أنه عندما نصدق المعلومات المضللة تكون عقولنا قد وقعت ضحية للوهم، فالثقة بالمعلومات المضللة يدفع العقل لصياغة تفسيرات تبريرية حتى يلائم بين تلك المعلومة وبين الواقع، ولذلك كان دحض المعلومة المضللة هو دحض للدجل وتقوية لروح العلم والمعرفة.

 

وفي دراسة أخرى عن العلاقة بين السحر وعلم الأعصاب، لاحظ عالم النفس والفيلسوف الألماني "ماكس ديسوار" أن "ما يجعل خفة اليد فنًّا من فنون الخداع ليس أدواته التقنية، بل جوهره النفسي".

 

موضوعات ذات صلة:

كيف تفسر الثقافة وعلم النفس عشق الخرافة؟

لماذا يلجأ المرضى إلى الخرافة؟

لماذا يعتقد الناس في السحر؟

الرموز البنفسجية.. لماذا يبحث العقل عن الغموض؟

الرابط المختصر :