الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : التخطيط الدعوي
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
93 - رقم الاستشارة : 3790
15/01/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ونفع الله بكم وبعلمكم.
أنا إمام وخطيب في أحد المساجد، ويغلب على رواد مسجدي فئة الشباب والموظفين الذين يواجهون ضغوطًا حياتية واقتصادية متزايدة، بالإضافة إلى وجود فئة من كبار السن المنصرفين إلى الجانب الروحاني.
مع اقتراب ذكرى الإسراء والمعراج، أريد إعداد خطبة جمعة وسلسلة دروس قصيرة تتجاوز السرد التاريخي المعتاد للمعجزة. أرغب في التركيز على رسائل عملية تلمس واقع الناس وتحول هذه الذكرى إلى منهج يعينهم على تحدياتهم المعاصرة.
أرجو منكم إرشادي إلى المعاني التربوية والنفسية التي يمكن استنباطها من الرحلة لتعزيز المرونة النفسية لدى الناس اليوم؟
وكيف يمكنني ربط الصلاة التي فُرضت في تلك الرحلة بفكرة الاستراحة من ضجيج الحياة، وأنها ليس مجرد عبء يؤدونه؟
وما هي القيم الأخلاقية التي يمكن استلهامها من مواقف الرحلة؟
أبحث عن نقاط مركزة، بعيدة عن الخلافات الفرعية، تساهم في بناء الإنسان وبث الأمل في النفوس المثقلة بالهموم.
وشكر الله لكم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أيها الأخ الفاضل، والإمام المسدَّد. أسأل الله أن يبارك في جهودك، وأن ينفع بك البلاد والعباد، ويجعل ما تقدمه في موازين حسناتك، وأن يفتح عليك فتوح العارفين، وأن يلهمك القول السديد والعمل الرشيد، وبعد...
فإنَّ اختيارك لذكرى «الإسراء والمعراج» منطلقًا لمعالجة القضايا النفسية والاجتماعية لرواد مسجدك هو اختيار ذكي وموفق؛ فهذه المعجزة لم تكن مجرد رحلة كونية، بل كانت «رحلة ترميم نفسي» واحتفاءً إلهيًّا بالنبي ﷺ بعد سنوات من الضيق والمحاصرة.
وإليك تفصيل المحاور التي طلبتها لتكون نبراسًا لخطبتك ودروسك:
أولًا- المعاني التربوية والنفسية
يجب أن نبدأ من «السياق الزمني» للرحلة؛ فهي جاءت بعد «عام الحزن»، وفقدان النصير (أبو طالب) والسكن (خديجة رضي الله عنها)، وصد أهل الطائف.
- تغيير الآفاق: عندما تضيق الأرض بما رحبت، فإن أبواب السماء لا تُغلق. علِّم الشباب أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي كانت على النبي ﷺ في مكة، فرَّجها الله -تعالى- بالإسراء والمعراج الذي أخرج النبي ﷺ من ضيق الدنيا إلى سعة الملكوت.
- اليقين بالفرج: الرحلة تقول لنا إن أشد لحظات الليل سوادًا هي التي تسبق الفجر. وأن التحولات الكبرى قد تحدث في وقت يسير وبطريقة لا يتوقعها بشر.
- الاستعلاء على المادة: لقد كسر المعراج قوانين الأرض، ليعلم الساعي والمكافح في هذه الدنيا أن مسببات الرزق بيد الله، لا بيد القوانين المادية الجافة وحدها، وهذا يمنح «صلابة نفسية» ضد القلق من المستقبل.
ثانيًا- الصلاة معراج الروح واستراحة من ضجيج الحياة
يرى الكثيرون الصلاة «واجبًا» يُؤدَّى، لكن في الإسراء والمعراج نجد أنها «هدية» تسلَّمها النبي ﷺ من فوق سبع سماوات.
- «أرِحنا بها»: كان النبي ﷺ يقول لسيدنا بلال: «يا بلال، أقم الصلاة، أرحنا بها» [رواه أبو داود]. فالصلاة ليست عبئًا «نستريح منه»، بل هي واحة «نستريح فيها».
- الانفصال عن الضجيج: انصح رواد مسجدك أن يعتبروا تكبيرة الإحرام هي «بوابة الإسراء»، فيتركوا خلفهم المدير، والديون، والبريد الإلكتروني، ومواقع التواصل، والاجتماعات، والهموم... إلخ، ويصعدوا بأرواحهم في معراج خاص بهم.
- فرضها في السماء: لماذا فُرضت في السماء دون سائر العبادات؟ لتدل على أنها «حبل اتصال» دائم. قل للمصلين: «إذا ضاقت بكم الأرض، فليس لكم إلا معراج السجود»، استنادًا لقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾ [العلق: 19].
ثالثًا- القيم الأخلاقية المستلهمة من الرحلة
تزخر رحلة الإسراء والمعراج بمواقف تربي الإنسان على الرقي الأخلاقي والسمو النفسي:
- قيمة «الثبات والصدق»: عندما كذَّب الناس النبي ﷺ، قال أبو بكر رضي الله عنه: «إن كان قال فقد صدق»، معبرًا عن قيمة التمسك بالمبادئ في زمن «السيولة الأخلاقية» والتذبذب، وهي درس للشباب في الثبات على الحق مهما كانت الضغوط.
- الرأفة والتيسير: في قصة تخفيف الصلاة من خمسين إلى خمس، نجد قيم التيسير والشفقة والرأفة بالأمة. ونتعلم أن القائد القوي الناجح يجب أن يحمل همَّ الضعفاء من قومه ويسعى للتخفيف عنهم.
- تزكية النفس: تكرر شق صدر النبي ﷺ قبل الرحلة لملئه حكمة وإيمانًا. والدرس هنا هو «التخلية قبل التحلية»؛ فلكي ترتقي في حياتك المهنية والروحية، طهِّر قلبك من الغل والحسد وغيرهما من الآفات، فهذه الأثقال هي التي تمنعك من «المعراج»، أي الرقي.
رابعًا- قصص ونماذج تربط الماضي بالحاضر
يمكنك أن تذكُر لرواد المسجد بعض المشاهد التي رآها في رحلته، فتقص عليهم -على سبيل المثال- قصة ماشطة ابنة فرعون التي شم النبي ﷺ رائحة طيبة جدًّا من قبرها ليلة الإسراء؛ لتبث الأمل في نفوس المهمشين والفقراء. كانت امرأة بسيطة، خادمة، لكن صبرها على الظلم وثباتها على الإيمان رغم الابتلاء الشديد، رفع قدرها، وجعل ريحها تطيب إلى السماوات العلا. فهذا يوجه كل عامل إلى أن يتقي الله في عمله، ويعلمه أن مكانته عند الله ليست بمرتبته الوظيفية؛ بل بطهر نفسه، وبإيمانه، وبإخلاصه، وصبره، وتقواه.
مقترحات عناوين لسلسلة دروس:
يمكن أن يكون العنوان العام للسلسلة: «المعراج الروحي: كيف ننجو من ضجيج الحياة؟».
- فقه الانطلاق: من ضيق مكة إلى سعة السماء، كيف يفتح الله لنا أبواب الأمل حين تنغلق أبواب الأرض؟
- الصلاة مرفأ السكينة: أرِحنا بها يا بلال، الصلاة بوصفها منطقة عزل آمنة من صراعات الوظيفة وهموم الرزق.
- الصلابة النفسية: على خطى الصدِّيق، كيف نبني مناعة نفسية ضد الإحباط والتشكيك في زمن المتغيرات؟
- منهج العودة: الهبوط من السماء لإصلاح الأرض، كيف نحول الروحانيات إلى طاقة إنتاج وأخلاق في واقعنا؟
وختامًا أخي الكريم، اجعل خطبتك «طاقة نور» تفتح بها آفاق الأمل. ذكِّر الناس بأن الذي أسرى بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، قادر على أن يسري بهم من ضيق الهم إلى سعة الفرج، ومن عسر الرزق إلى يسره.
اللهم ارفع ذكرنا، واشرح صدورنا، ويسِّر أمورنا. اللهم اجعل صلاتنا قرة أعيننا، واكشف غمة المهمومين من أمة محمد ﷺ، وبارك لأخي السائل في قوله وعمله، واجعل كلماته نورًا يدخل القلوب، وهداية ترشد الحائرين. وصلِّ اللهم وسلم على صاحب الذكرى، وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط ذات صلة:
- 7 دروس للشباب من رحلة الإسراء والمعراج
- 6 علامات للفرج بعد الشدة في الإسراء والمعراج
- 4 دروس مهمة للإنسانية من الإسراء والمعراج
- في ذكرى الإسراء والمعراج.. تذكرة بالتسرية والتسلية
- كيف يعالج «الإسراء والمعراج» آلام الفقد وجراح الفقر؟
- كيف تقرِّب الأم قصة «الإسراء والمعراج» لأبنائها وتستثمرها تربويًّا؟
- مغامرات «عمر وجدو» الرمضانية 12 عمر محرر المسجد الأقصى