الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الأطفال
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
112 - رقم الاستشارة : 3789
15/01/2026
السلام عليكم.
أنا أم لثلاثة أبناء، ابنتي الكبرى 12 عامًا، وابني الأوسط 8 سنوات، وصغيرتي تبلغ 6 سنوات.
مع اقتراب ذكرى الإسراء والمعراج، أريد أن تكون هذه المناسبة محطة فارقة في بناء شخصياتهم. وأريد أن أسألكم:
- كيف يمكنني شرح المعجزات (كالبراق، وشق الصدر، والصعود للسماوات) بطريقة تناسب عقلية طفلتي ذات الـ6 سنوات، وفي الوقت نفسه تقنع ابنتي الكبرى (12 عامًا) التي بدأت تميل للمنطق والتساؤل، دون أن تشعر أن الكلام مجرد أساطير؟
- كيف أستثمر هذه المناسبة لتعزيز قيمة الصلاة في نفوسهم؟
- كيف أربط قلوبهم بالمسجد الأقصى في ظل الأحداث الراهنة؟
- كيف أعلم أبنائي أن الضيق يعقبه فرج، وكيف يواجهون إحباطاتهم الصغيرة في المدرسة أو مع أصدقائهم مستلهمين من ثبات النبي ﷺ ورحلته المباركة.
- وإن أمكن، أتمنى تزويدي ببعض الأفكار لأنشطة منزلية عائلية بسيطة تجمعني بهم وبأبيهم في هذه الليلة، لتظل ذكراها محفورة في وجدانهم.
وجزاكم الله خيرًا على ما تقدمونه من نفع.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أيتها الأم الفاضلة، ويسعدنا تواصلك معنا وثقتك بما نقدمه. وإن حرصك على استثمار المناسبات الدينية لبناء عقيدة أبنائك هو دليل على وعي كبير وأمانة تُشكرين عليها، فبارك الله فيك وفي ذريتك، وجعلهم قرة عين لك ولوالدهم، وأنبتهم نباتًا حسنًا، وجعل بيتكم مأوى للإيمان والسكينة، وبعد...
أولًا- تبسيط المعجزات للصغيرة والكبيرة
التحدي هنا يكمن في مخاطبة «الخيال» عند الصغيرة، و«العقل» عند الكبيرة. فللصغيرة استخدمي أسلوب القصص المشوق. صِفِي لها «البراق» ككائن جميل عجيب يضع حافره عند منتهى بصره، وكأنها رحلة في «بساط ريح» حقيقي؛ لكنه من صنع الله. أما «شق الصدر»، فاشرحيه لها بأن الله أراد أن يجعل قلب النبي ﷺ أنقى قلب في الكون، فغسله بماء زمزم ليمتلئ نورًا وحكمة.
أما مع الكبيرة فإننا ننتقل من «الخيال» إلى «المنطق الإيماني». قولي لها: إن الذي خلق قوانين الفيزياء (الجاذبية، السرعة، الزمن) هو وحده القادر على تعطيلها أو تجاوزها. فالمعجزة هي «خرق للعادة» لغرض إثبات النبوة للناس، وتثبيت الأنبياء والمؤمنين بهم.
قولي لها: «يا بنيتي، لو صممتِ أنت لعبة ما، ألا تستطيعين تغيير قوانينها بضغطة زر؟ ولله المثل الأعلى، هو خالق الكون وهو من يسيِّر القوانين كيفما يشاء».
استشهدي بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1]. فكلمة «سبحان» تعني تنزيه الله عن العجز، فكل ما بعد هذه الكلمة هو ضمن قدرة الخالق المطلقة.
ثانيًا- تعزيز قيمة الصلاة
الإسراء والمعراج هو «عيد الصلاة»، فهي العبادة الوحيدة التي فُرضت في السماء لعظم قدرها.
أخبريهم أن النبي ﷺ عندما ضاقت به الأرض، استُدعي إلى السماء، وأن الصلاة هي «معراجنا» نحن. فإذا شعرنا بالضيق، نصلي لنرتفع بأرواحنا إلى الله.
احكي لهم قصة فرض الصلاة، وكيف كانت خمسين ثم أصبحت خمسًا في الأداء وخمسين في الأجر، بفضل رحمة الله ومراجعة النبي ﷺ، كما ورد في الحديث الشريف الذي رواه البخاري.
اجعلي شعاركم في البيت أثناء هذه المناسبة وبعدها: «الصلاة.. معراجنا إلى الله».
ثالثًا- الربط بالمسجد الأقصى
إن المسجد الأقصى ليس مجرد بناء، وليس مجرد مسجد عادي؛ بل هو جزء من إيماننا وعقيدتنا.
وضِّحي لهم أن إمامة النبي ﷺ للأنبياء في «الأقصى» تعني أن هذه الأمة هي الوارثة لرسالات السماء، وأن الأقصى أمانة في أعناقنا.
علِّميهم أن البركة التي ذكرها الله في القرآن ﴿بَارَكنَا حَوْلَهُ﴾ تشمل الأرض والشعب والمقدسات.
اغرسي فيهم الأمل بأن وعد الله حق، وأن المحن التي يراها اليوم شعب «الأقصى» هي تمحيص لهم، وأن حب «الأقصى» يبدأ من معرفة قيمته، والدعاء لأجله، والجهاد لتحريره.
رابعًا- دروس الثبات
جاءت رحلة الإسراء بعد «عام الحزن» الذي شهد وفاة أم المؤمنين السيدة خديجة -رضي الله عنها- والعم أبي طالب الذي كان درعًا لرسول الله ﷺ يحميه من أذى قومه، وبعد رحلة الطائف القاسية التي لاقى فيها النبي ﷺ شتى صنوف العناء والإيذاء.
قولي لأبنائك: إن النبي ﷺ طُرد من أهل الأرض (في الطائف)، ففتح الله له أبواب السماء. فعندما يواجه أحدهم إحباطًا ما، ذكريه بأن الله لا ينسى أحدًا، وأن الصبر على «مرارة الطائف» هو الذي أوصل النبي ﷺ لـ«حلاوة المعراج».
علميهم ما روي من دعاء النبي ﷺ في الطائف: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس» [رواه الطبراني وفيه ضعف؛ لكن معناه عظيم في اللجوء لله]. إن الفرج يأتي دائمًا من باب الانكسار لله.
خامسًا- أفكار لأنشطة عائلية
لجعل الليلة محفورة في وجدانهم، جرِّبي هذه الأنشطة البسيطة:
1- لوحة «خريطة الرحلة»: ارسموا معًا مسار الرحلة من مكة إلى القدس، ثم إلى السماوات السبع، واكتبوا عند كل سماء من التقى به النبي ﷺ من الأنبياء، بالرجوع إلى كتب الحديث والسيرة، أو بالبحث على الإنترنت في المواقع الموثوقة.
2- مسابقة «البحث عن الكنز»: ضعي أسئلة حول الرحلة في ظروف مخبأة في البيت، ومن يجمع الإجابات الصحيحة يحصل على جائزة تُسمَّى «هدية المعراج».
3- جلسة «الحكواتي»: تطفأ الأنوار وتُشعَل شموع، أو إضاءة خافتة، ويقوم الأب بسرد قصة الرحلة بأسلوب قصصي مشوق، مع التركيز على وصف «سدرة المنتهى» وجمال الجنة.
4- الدعاء: يتفرد كل فرد بنفسه بعض الوقت، ليدعو الله -عز وجل- بما يريد ويتمنى، ثم تختمون الليلة بالدعاء الجماعي؛ يدعو كل فرد بالتناوب بما يفتح الله عليه، ويؤمِّن الباقون على دعائه.
وختامًا أختي الفاضلة، إن أعظم ما تقدمينه لأبنائك هو «القدوة». فإذا رأوا فيك تعظيمًا لهذه الشعائر، وحبًّا للنبي ﷺ، ويقينًا بفرج الله، فسينتقل هذا الشعور إليهم تلقائيًّا دون تكلف. اجعليها ليلة مليئة بالحب والدفء والذِّكر، ليعلموا أن ديننا هو دين الجمال والسمو والحب والبر والخير.
وفقك الله ورعاك، وبارك لك في أسرتك الكريمة.
روابط ذات صلة: