الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : التخطيط الدعوي
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
175 - رقم الاستشارة : 4133
16/02/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا مسؤول عن التخطيط في إحدى المؤسسات الدعوية، ونستعد لوضع خطة عشـرية للدعوة في منطقتنا. المشكلة التي نواجهها لا تتعلق بقلة الموارد ولا ضعف الكفاءات، بل بتوتر النفوس داخل فريق العمل، في كل اجتماع، ينحرف النقاش من سؤال: كيف نصل إلى الناس؟ إلى شعور خفي بـ: لماذا لم يُؤخذ برأيي.
تكوّنت داخل الفريق تكتلات واضحـة؛ فئة تميل إلى المدرسة التقليدية، وأخرى متحمسة للوسائل الرقمية الحديثة، وتحول الاختلاف بينهما إلى نزاع واتهامات في النيات، بل وصل أحيانًا إلى قطيعة مؤلمة.
هذا الواقع عطّل مشاريع مهمة، وأشعر أن التوفيق والبركة قد ضعفا في عملنا. فكيف أضع قواعد تخطيطية تُقدِّم ائتلاف القلوب على تكديس الأوراق؟ وكيف نُعالج جذور هذا النزاع المؤسسي معالجة شرعية وعلمية؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أخي السائل الكريم، مرحبًا بك، وبارك الله في حرصك؛ فإنَّ إدراكك أن الأزمة أزمة نفوس لا أدوات هو أول مفاتيح الحل.
وما تصفه ليس نادرًا في العمل الدعوي المؤسسـي، بل هو مما يمكن تسميته بموانع التوفيق الدعوي؛ إذ إن التخطيط في جوهره عمل جماعي، فإذا غاب الائتلاف حضـر الفشل، ولو اكتملت الوسائل.
أولًا: تشخيص الداء، لماذا يتنازع المخططون؟
إن غالب النزاع في غرف التخطيط لا يولد من الخلاف الفني؛ بل من علل قلبية وسلوكية، من أبرزها:
1. التعصب للرأي أو المدرسة أو الفكرة الدعوية؛ وحين يتحول الاجتهاد إلى هوية مغلقة، يُنصـر الرأي لا لرجحانه، بل لكونه "يمثلني". فيغيب سؤال المصلحة، ويحضر الانحياز للفكرة أو الخلفية.
2. الحسد وحبّ التقدّم، ويكثر هذا بين الأقران المتقاربين في المكانة والتخصص؛ إذ يُفهم قبول رأي الآخر على أنه إقصاء للذات. والحسد –كما قال العلماء– حالقة للعلاقات، معطِّلة للتعاون.
3. الإعجاب بالرأي والهوى الخفي، وهو أن يرى المرء فكرته امتدادًا لذاته، فيصعب عليه التراجع أو التنازل، ولو تبيّن له أن غيرها أنفع للعمل.
ثانيًا: آثار النزاع على التخطيط الدعوي
إنَّ أخطر ما يخلّفه التنازع ما حذّر الله منه بقوله: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]، و«ذهاب الريح» في العمل المؤسسـي يعني: انعدام الأثر الحقيقي: فالخطط التي تُصاغ بقلوب متنافرة نادرًا ما تُثمر قبولًا أو تأثيرًا، فضلاً عن إضاعة الأمانة الدعوية: إذ ينشغل الدعاة ببعضهم، وينفذ الشيطان من ثغرات الخلاف لإفساد ذات البين.
ثالثًا: الأسس الشرعية لإصلاح النزاع المؤسسي
1. الرد إلى الوحي منهجًا لا شعارًا، قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59] والرد هنا ليس مجرد استشهاد، بل تجريد للهوى، وقبول للحق أيًّا كان قائله، تقليديًّا أو رقميًّا.
3. ترسيخ فقه الائتلاف: فالاختلاف في التخطيط اجتهاد بشري، وهو في الأصل اختلاف تنوّع لا تضاد. وقد قال النبي ﷺ للمختلفين: (كلاكما محسن)، وهذا المبدأ إن استُحضر، حوّل الخلاف من صراع إلى تكامل.
3. العدل والإنصاف كقيمة إدارية، فعلى القائد أن يُنصف صاحب الرأي الصائب، دون كسـر خاطر المخالف، وأن يُذكّر الجميع بأن إصلاح ذات البين أعظم أجرًا من نوافل الأعمال.
4. تجريد النية ومجاهدة النفس: ذكّر فريقك أن هذا ميدان دعوة لا ساحة تنافس. وقبول رأي الآخر عبادة خفية، والطاعات –كما هو معلوم– محفوفة بالمكاره.
رابعًا: خطوات إجرائية عملية لإعادة الائتلاف
* جلسات تصفية النفوس: تُقدَّم فيها موعظة عن الأخوّة، وخطورة الحسد، قبل الدخول في الجداول والخطط.
* لجان تحكيم محايدة: عند استعصاء الخلاف، يُردّ إلى جهة علمية أو استشارية خارجية؛ لقطع الشخصنة.
* دمج الخبرات والأجيال: اجعل كل فريق يضم خبيرًا تقليديًّا وشابًا رقميًّا؛ ليحدث التكامل في الميدان لا في التنظير.
ختامًا ونصائح للقائد الدعوي:
* لا تكن مديرًا إداريًّا فحسب؛ بل مُصلحًا شرعيًّا يجمع ولا يفرّق.
* استخدم القول اللين في إدارة الحوار؛ فالله أمر به مع الطغاة، فكيف مع إخوانك؟
* تـذكّر أن نجاح الخطة يبدأ من سلامة الصدور؛ فإذا صلحت البواطن، سُدّدت الظواهر.
وأسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يشـرح صدرك، ويسدد رأيك، ويجعلك مفتاحًا للخير مغلاقًا للشـر، اللهم ألّف بين قلوب فريقه، وأخرج ما في صدورهم من غلٍّ وحسد، واجمعهم على الحق والهدى، واجعلهم يدًا واحدة في نصـرة دينك، وافتح لأعمالهم أبواب القبول في الأرض والسماء، وبارك في خططهم وأعمارهم وجهودهم، إنك وليّ ذلك والقادر عليه.
روابط ذات صلة:
ما الخطوات الصحيحة لوضع خطة دعوية مستدامة؟
كيف أضع خطة دعوية واقعية مستمرة؟
العمل الدعوي بلا خطة.. كيف أتجنّب العشوائية؟