الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : فئات المدعوين
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
30 - رقم الاستشارة : 4569
13/04/2026
السلام عليكم، أنا مشـرف على فريق شبابي تطوعي كبير. ألاحظ ظاهرة مقلقة وهي (الاحتراق النفسـي)؛ حيث يبدأ الشاب بحماس منقطع النظير، ويحمل نفسه ما لا تطيق من المهام الدعوية والاجتماعية، ثم ما يلبث بعد أشهر قليلة أن (ينطفئ) تمامًا، وينسحب من العمل، بل وقد ينقطع عن الالتزام بالفرائض أحيانًا نتيجة الإجهاد النفسـي والشعور بعدم الجدوى.
كيف يمكنني كداعية غرس (فقه التدرج) والموازنة؟ وكيف أحول حماسهم العاطفي المؤقت إلى (بناء مؤسسـي) مستدام يحمي صحتهم النفسـية ودورهم في عمارة الأرض؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أيها القائد المربي.
ثمّ إن ما وصفته هو (ضريبة الاندفاع) بلا بصيرة. والتأكيد على أنّ إعداد الشباب يتطلب رعاية (شمولية) (جسدية، نفسـية، وعقلية)، وأن تحميلهم فوق طاقاتهم دون توازن يؤدي إلى (تبديد الثروة البشـرية) بدلاً من استثمارها.
وإليك الاستراتيجية الدعوية والتربوية للوقاية من الاحتراق النفسـي وضمان استدامة البناء:
أولاً: تأصيل (فقه الاقتصاد في العمل) (أدومها وإن قل):
يجب تصحيح المفهوم الخاطئ بأن (كثرة التعب) هي الدليل الوحيد على الإخلاص:
1. قاعدة (القصد والاعتدال): ذكّر الشباب بحديث النبي ﷺ: (إنَّ هذا الدِّينَ متينٌ فأوغلوا فيه برفق)، وقوله: (أحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ أدومُها وإن قلَّ). علمهم أن الإسلام يريد (عدَّاء ماراثون) وليس (عدَّاء مسافات قصيرة)؛ فالنفس مَلولة، ومن (أجهد دابته) انقطعت به السبل.
2. حق النفس والبدن: رسخ فيهم قاعدة (إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا...). الراحة والترويح المباح ليسا (تضييعًا للوقت)، بل هما (تزود) للاستمرار في عمارة الأرض.
ثانيًا: التحول من (الفردية) إلى (العمل المؤسسـي) (توزيع الأحمال):
الاحتراق غالبًا ما يصيب أولئك الذين يحاولون القيام بكل شيء وحدهم:
1. ثقافة التفويض: علم الشاب أن نجاحه ليس في (كثرة مهامه)، بل في قدرته على بناء فريق يتقاسم المسؤولية. توزيع الأعباء يمنع شعور الفرد بأنه (وحيد في الميدان).
2. وضوح الأهداف والمخرجات: التعب الناتج عن (التخبط) أشد وطأة من التعب الناتج عن (العمل الشاق). حين يرى الشاب ثمرة منظمة لجهده، يتجدد نشاطه؛ فـ (رؤية الإنجاز) هي الترياق الطبيعي للإرهاق.
ثالثًا: الرعاية الروحية والنفسـية (تجديد النية):
1. ربط العمل بالاحتساب لا بالنتائج: الاحتراق يأتي أحيانًا من (الإحباط) لعدم تحقق نتائج فورية. علمهم أن أجرهم ثابت عند الله بمجرد السعي، سواء تحقق التغيير المنشود في الواقع أم لا.
2. جلسات الدعم والفضفضة: خصص وقتًا لسماع هموم الشباب بعيدًا عن ضغط العمل. الداعية المربي هو الذي يرمم (نفسـية) جنوده قبل أن يطالبهم بالبناء.
وأنصحك ختامًا بالآتي:
* راقب (علامات الإنذار): إذا رأيت شابًا بدأ يتغيب، أو تراجع إنتاجه، أو كثر انفعاله، فبادر بإعطائه (إجازة إجبارية) للراحة، فهذا من تمام الحكمة القيادية.
* التوازن بين (الواجب) و(الممكن): علمهم أن (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها)؛ فما عجزت عنه اليوم، أكمله غداً بقلب حاضر.
* الترويح الإيماني: شجعهم على الخلوات والعبادات الفردية (قيام الليل، ذكر)؛ فهي التي تمد القلب بالطاقة (الربانية) التي لا تنفد أمام ضغوط الحياة.
وأسأل الله العظيم أن يبارك في هؤلاء الشباب، ويجعل سعيهم مشكورًا، وعطاءهم موصولاً، ويوفقك لتكون بر أمان لكل قلب شاب يطمح لنصرة دينه.
روابط ذات صلة:
ترميم الروح.. كيف ينجو الداعية من الاحتراق النفسـي وجفاف القلب؟