الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : شبهات وردود
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
14 - رقم الاستشارة : 6271
31/10/2026
هل يساهم الإعلام في تمييع القيم، من خلال تكثيف النشر عن التفاهات والأخبار المثيرة والموضوعات التي تصرف الناس عن الغايات وقضاياهم الأساسية.. وتحول العري مثال ذلك المهرجانات الفنية إلى قدوات مجتمعية وتبرير العري؟
أخي
الكريم، تتعرض القيم والثوابت وبخاصة الأخلاقية والدينية إلى حالة من التمييع
والسعي لتحويلها من الحالة الصلبة والواضحة إلى الحالة السائلة الهشة الغامضة
القابلة للتفسيرات والآراء المتعددة، وبهذا تفقد القيم قدرتها على التوجيه،
ويتراجع دورها المعياري للسلوك والأخلاق.
وقد
ظهرت تلك الحالة التمييعية للقيم في المجال العام بصورة مكثفة ومتكررة في السنوات
الأخيرة، وتجلت في خروج عدد من ذوي التأثير من الشخصيات العامة في المجال الفني
والثقافي والاقتصادي، وغيرها للحديث عن انحرافاتهم الأخلاقية ومنها الشذوذ وتعاطي
المخدرات، أو ظهور شخصيات نسائية وهي شبه عارية معتبرةً أن التعري مسألة حرية
شخصية، والتقاط الإعلام لحديث هؤلاء ونقله عبر الوسائط المتعددة لملايين الناس
بصورة مبهجة، وكلمات تساوي بين الحرية والانحلال.
كيف
تُمَيع القيم؟
أخي
الكريم، في ظل تلك الحالة من السيولة الأخلاقية، أصبحت النسبية الأخلاقية طاغية،
وتراجع النظر للقيم كثوابت ومعايير يجب الالتزام بها، وصارت القيمُ فريسة
للتفسيرات الشخصية والذاتية.
وعملية
التمييع ليست عملية فجائية، ولكنها عملية تدريجية ومنهجية، وكلما كانت بطيئة كان
تجذرها في وعي الناس أعمق، وبقاؤها أكثر استمرارية، وبذلك يمكنها تحويل المبدأ
الثابت إلى وجهة نظر يجري الاختلاف حولها دون معايير منهجية تضبط هذا الاختلاف
وتضع له محدداته في التفكير والنقاش.
تتم
عمليات تمييع القيم من خلال نثر أفكار معينة في المجتمع، والالتزام بمنهجية
تكرارية عبر قنوات ومراحل متعددة تشترك فيها وسائل الإعلام، والبيئة المحيطة،
والتغيرات الثقافية وصناعة رموز اجتماعية مغايرة تتبنى الأخلاقيات المستحدثة، ومن
أبرز تلك الآليات:
* التطبيع والاعتياد: وهنا يأتي دور الإعلام، في خلق تلك الحالة من الاعتياد
والتطبيع مع القيم الجديدة الهشة والسائلة والزئبقية التي لا تستطيع الإمساك بها،
وذلك من خلال الأخبار والمسلسلات والأفلام واللقاءات الصحفية والبرامج، والتي
تعتمد آلية التكرار المستمر للسلوكيات المنحرفة أو إضفاء ستائر من التعمية على
القيم الأخلاقية لصقها بالأشرار والمجرمين وإيجاد تبريرات لسلوكهم المنحرف، مثل أن
هذا الانحراف ما هو إلا نتاج مجتمع فاسد وليس نتاج اختيارات شخصية في أغلب
الأحيان.
هذه
الظاهرة تُعرف في علم الاجتماع والإعلام بـ"التطبيع الاجتماعي"، وهذا
التطبيع يؤدي إلى انكماش وموت الحساسية الأخلاقية تجاه السلوكيات الرديئة
والمنحرفة، ومن ثم تتعرض القيم لتآكل، ويبدأ التآكل بصدمة عند مشاهدة التجاوزات
الأولى، لكن مع التكرار والاعتياد البصري والسمعي تزول الصدمة تدريجيًّا، ليتحقق القبول
والتعايش، فلا تثير تلك التجاوزات حالة الغضب والاستياء السابقة، ثم تحدث عملية القبول
والتعايش ويساهم الإعلام في جعل تلك التجاوزات والانحرافات تبدو وكأنها "شيء
طبيعي" لا يثير الدهشة والاستهجان، ثم تأتي مرحلة التبني والتقليد ليصبح
الانحراف "موضة" تتربى عليها الأجيال الناشئة.
* التلاعب بالمصطلحات: إعادة تسمية الانحرافات والتجاوزات بأسماء وصفات جيدة
تغطي على سلبياتها، فيسمى الانحلال بالحرية
الشخصية، أو الرشوة بالإكرامية، والغش كنوع من الذكاء، والعري والتكشف يعد نوعًا
من إظهار الجمال الإلهي، وتحت هذا التلاعب يتم تمرير السلبيات وتمييع القيم
والثوابت.
* استبدال بالقدوات الجيدة والصالحة قدوات ونماذج
سلبية: ذلك الاستبدال من أخطر ما يجري في عملية تمييع القيم؛ لأن القيم عندما
تتجسد في أشخاص يسهل اقتناع الناس بها وتمثلها في حياتهم وسلوكهم، فرغم أن كتاب
"تزييف المقاييس: معلمون مزيفون،
أموال مزيفة" لمؤلفه "روبرت كيوساكي" يتحدث عن ضرورة
التثقيف المالي، فإنه قدّم نصيحة مهمة فيما يتعلق بتغيير القدوات في المجتمع، حيث
رأى أن القدوات غير المؤهلة التي تتصدر لتعليم الناس وتوجيههم في مجالات الحياة
المختلفة دون امتلاك علم حقيقي، تؤدي إلى أن يسلك الناس المسارات الخاطئة وغير
الجيدة.
أما في كتاب "قوة السلبية" The Power
of Bad فيرى مؤلفاه "جون تيرني" و"روي باوميستر" أن
العقل البشري والمنظومة الإعلامية يميلان إلى الالتفات للنماذج الصادمة أو السيئة
بشكل أسرع، ويُستغل هذا الميل النفسي لإبراز النماذج السيئة كقدوات وسلوكيات
سائدة.
موضوعات ذات صلة:
كيف يمكن بناء قدوة في العصر الرقمي؟
هل هناك فارق بين القدوة والتقليد؟
مسؤولية القدوة في الإصلاح الاجتماعي