الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : شبهات وردود
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
9 - رقم الاستشارة : 5391
22/07/2026
هل يقيننا الزائد في الأشياء وفي صحة أفكارنا يؤدي إلى الجمود الفكري، ويصبح عقبة أمام التفكير الناضج الواعي، أم أن هذا اليقين هو فرصة لراحة عقولنا من عناء الشك والبحث عن الحقيقة؟
أخي الكريم، العقبات التي تعيق التفكير متنوعة، وقد تكون خارجية، لكن الأصعب أن يكون
منبعها الذات الإنسانية، ومنها أن يمتلئ الإنسان يقينًا بأن أفكاره صحيحة غير
قابلة للنقاش، هذه الحالة تقود إلى جمود في التفكير، وهذا الجمود يجعل صاحبه عاجزًا
عن التكيف مع الواقع المتغير، أو قبول الأفكار والرؤى الجديدة، ورافضًا لمراجعة
أفكاره ومعتقداته أو نقدها.
ما هو فخ اليقين؟
أخي الكريم، في البداية يجب أن نؤكد أنه ليس كل يقين فخًّا، ولكن فخ اليقين هو أن
نغلق عقولنا وأعيننا وتفكيرنا عن المتغيرات والواقع والأفكار الجديد، والفخ هو
مصيدة أو مكيدة، وهو تعبير عن المغايرة بين الظاهر والباطن.
تؤكد الباحثة الأمريكية في علم الاجتماع "إيلانا
ريدستون" في كتابها "فخ اليقين: لماذا نحتاج إلى التشكيك في أنفسنا أكثر" على أهمية عدم اعتبار كل يقين فخًّا، فتقول:
"ليس كل اليقين فخًّا، الفخ يكمن عندما يدفعنا اليقين إلى تجاهل الآخرين
وتشويه سمعتهم والحكم عليهم بقسوة، لا سيما في القضايا السياسية الشائكة".
ترى "ريدستون" أن فخ اليقين يجعلنا نميل
إلى النظر إلى من يخالفنا الرأي على أنهم حاقدون أو جاهلون أو أغبياء، وأن هذا
الفخ اليقيني عندما يمتد إلى الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية فإنه يدفعنا
إلى السخط أو الرضا غير المبرر وغير المنطقي، كما أنه يغير طبيعة اهتمامنا
بالأشياء والقضايا زيادة نقصانًا بغير سبب منطقي، كما أنه يملأ نفوسنا قناعة بأننا
دومًا على صواب، ويجعلنا نفشل في إدراك أخطائنا.
نبهت "ريدستون" بأننا نقع في فخّ اليقين لأننا
نقع ضحية لثلاثة أنماط تفكير خاطئة، وهي:
* "مغالطة السؤال المحسوم": إذ
يوجد افتراض أن العديد من الخلافات قد حُسمت بالفعل وأن الفرد يعرف كيف حُسمت، لكن
ما ينبغي إدراكه هو أن المعرفة اليقينية في العلم تبقى مؤقتة؛ فالأسئلة
لا تُحسم أبدًا؛ بل تبقى دائمًا مفتوحة لمزيد من البحث.
* مغالطة "المعرفة المتساوية"،
وهي ميل الشخص إلى الاعتقاد بأن الآخرين سيوافقون على استنتاجاته لو امتلكوا نفس
معرفته، إذ يعتقد هذا الشخص أن اختلاف الآراء مبني على الجهل، وليس مبنيًّا
في كثير من الأحيان على اختلاف نوع المعرفة، ومثال ذلك الاختلاف بين دعاة حماة
البيئة ورجال الصناعة.
* مغالطة "النية المعروفة": وتنطوي هذه
المغالطة على رفض الآراء المخالفة من خلال إسناد دوافع سيئة إلى نوايا المعارضين،
ومثال ذلك الذين يعتقدون اعتقادًا جازمًا في نظرية المؤامرة.
كيف أتغلب على فخ اليقين؟
أخي الكريم، من الضروري أن تقاوم الجانب السلبي في فخ اليقين، ذلك الفخ الذي يدفعك
إلى الجمود الفكري، ويجبرك على النظر للقضايا والأفكار والأشخاص من منظورك
الذي تؤمن به، دون إبداء أي مرونة للمتغيرات الجيدة، أو حتى إعطاء هامش لوجود خطأ
في إدراكك للأمور، ومن النصائح التي يمكن تقديمها في هذا الشأن:
* البحث عن المعرفة بدلاً من التسرع في استخلاص النتائج: هذا الملمح ملهم، فهو يغير تعاطي العقل مع الأفكار
والأشخاص والواقع، فبدلاً من إصدار الأحكام والتسرع الإمساك بالنتائج، فإن العقل
يغوص في البحث عن معرفة واكتشاف العلاقات، ووضع القضية على ميزان المبادئ والقيم
وميزان المصالح والمفاسد.
* استبدال بالثقة المفرطة الشك البناء: الثقة
المفرطة مأزق عقلي؛ لأنها تجنب العقل التفكير المنطقي، وتكبح جماحه في طرح
التساؤلات، فالثقة المفرطة انحياز، والانحياز عائق أمام التفكير المنطقي، أما
الشك البناء فهو أداة للتفكير النقدي تهدف للوصول إلى الحقيقة عبر التساؤل
المستمر، وترفض التسليم بالمسلمات دون أدلة قاطعة.
وختاما أخي الكريــم، لعلنا نستدعي من تراثنا مقولة الإمام الشافعي، رحمه الله، والتي يقول فيها:
"قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب"، وهي مقولة
تجسد التواضع الفكري، والمرونة العقلية، تلك المرونة التي تتمسك بالدليل كعنوان
للحقيقة.
موضوعات
ذات صلة:
نظرية
المؤامرة.. حقيقة أم وهــم؟
لماذا
تكثر الشكوك الوجودية في مرحلة الشباب؟
كيف أنقذ
عقلي من ادمان الشكوى؟