الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الأخلاق والمعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
15 - رقم الاستشارة : 5581
12/08/2026
ما معنى قوله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)؟
وكيف أطبقه في حياتي بشكل عام؟
مرحبًا
بك أخي الكريم، وأشكرك على تواصلك معنا، وعلى رغبتك في فهم كتاب الله –تعالى-
وتطبيقه في حياتك اليومية. أسأل الله أن يشرح صدرك، وأن ينير بصيرتك، ويجعلك من
المطبقين لكتابه، العاملين بأحكامه، وأن يرزقك الحكمة وحسن الخلق في القول والعمل،
وبعد...
فإن
قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾
[الأعراف: 199] تُعد دستورًا شاملًا ومكثفًا للأخلاق الإنسانية والمعاملات
البشرية. فقد جمعت هذه الآية الكريمة بكلماتها القليلة أصول التعامل مع النفس ومع
الآخرين، حتى قال عنها الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- إن
الله ما أنزل هذه الآية إلا في أخلاق الناس [رواه البخاري]. ففهم هذه الآية
وتنزيلها على واقعنا اليومي كفيل بتحقيق السلام الداخلي واستقرار العلاقات
الاجتماعية.
معنى
﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾
كلمة
«العفو» في اللغة لها معانٍ عدة، فهي تعني:
-
التجاوز وترك عقوبة من استحق العقاب.
-
محو الأثر.
-
الزيادة والفَضْل.
-
الأفضل والأجود.
وانطلاقًا
من هذه المعاني اللغوية، كان للمفسرين في هذه الآية قولان يكمل أحدهما الآخر:
- قبول
الميسور: أي خذ ما تيسَّر من أخلاق الناس وطباعهم، ولا تطالبهم بما يصعب
عليهم أو بما لا تطيقه نفوسهم. اقبل منهم ما سمحت به طباعهم من غير تكلُّف، ولا
تدقق في زلاتهم.
-
التسامح والصفح: أي العفو عن الإساءات والتغاضي عن الأخطاء
والتقصير الذي قد يبدر من الأقارب والأصدقاء وعامة الناس.
معنى
﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾
العُرْف هو
كل ما عرفته النفوس السليمة والعقول المستقيمة، واستحسنته الشريعة المطهرة من
الخير، والصلة، والقول الحسن، ومكارم الأخلاق.
والمقصود
هنا أن تكون تعاملاتك قائمة على إشاعة الخير، والأمر بالمعروف بأسلوب هادئ ولطيف،
وأن تعامل الناس بالذي تحب أن يعاملوك به.
معنى
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾
الجهل
هنا ليس ضد العلم فقط، بل هو ضد الحلم، أي السفاهة والتطاول والطيش.
والإعراض
عن الجاهلين هو الترفع، وعدم مقابلة السفيه بسفاهته، والحلم عند الغضب،
وصيانة النفس عن الخوض في الخصومات والمجادلات العقيمة التي لا نفع منها.
تطبيقات
نبوية وسلفية للآية
عن
أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه رداء
نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة
عاتق النبي ﷺ قد أثرت
بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد، مُر لي من مال الله الذي عندك!
فالتفت إليه رسول الله ﷺ فضحك،
ثم أمر له بعطاء» [رواه البخاري].
فهنا
طبق النبي ﷺ الأجزاء
الثلاثة: أخذ العفو وسامح، وأمر بالعرف بالابتسامة والإعطاء، وأعرض عن جهل
الأعرابي وقسوته.
وعن
ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قدم عيينة بن حصن فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس،
وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، هل لك وجه عند
هذا الأمير فتستأذن لي عليه؟ قال: سأستأذن لك عليه. قال ابن عباس: فاستأذن الحر
لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: «إيه يا ابن الخطاب! فوالله ما تعطينا
الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل»، فغضب عمر حتى همَّ أن يوقع به، فقال له الحر: يا
أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ
وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ وإن هذا من الجاهلين، «فوالله ما تجاوزها عمر حين
تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله» [رواه البخاري].
كيف
تطبق الآية في حياتك اليومية؟
لتتحول
هذه الآية من مفهوم نظري إلى سلوك يومي يعود عليك بالراحة والتوفيق، أقترح عليك
الآتي:
﴿خُذِ
الْعَفْوَ﴾
-
تخفيض سقف التوقعات: لا تنتظر الكمال من البشر، واقبل من
أهلك وأصدقائك وزملائك ما يتيسر من طباعهم الحسنة، ودع عنك البحث عن التمام في كل
شيء.
-
إتقان فن التغافل: لا تقف عند كل كلمة أو تصرف غير
مقصود. غُض الطرف عن الصغائر لتستمر المودة بينك وبين أهلك وأصحابك.
-
المرونة في التعامل: إذا قصَّر أحد في حقك دون قصد،
فاعفُ عنه وتجاوز، ولا تجعل من كل تقصير معركة.
﴿وَأْمُرْ
بِالْعُرْفِ﴾:
-
الكلام الطيب: اجعل لسانك معتادًا على العبارات اللطيفة والدفع
بالتي هي أحسن في بيتك ومكان عملك ومع الناس في مختلف الأماكن.
-
المبادرة بالإحسان: كن سبَّاقًا بالسلام، والشكر،
والثناء على جهود الآخرين، وإسداء النصح بالرفق والموعظة الحسنة.
-
العدل والمروءة: احرص على أن تكون تصرفاتك متوافقة مع العرف
الصالح والمروءة، كاحترام الكبير، ورحمة الصغير، ومساعدة المحتاج.
﴿وَأَعْرِضْ
عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾:
- الصمت
عند الغضب: إذا
واجهتَ شخصًا يجهل عليك ويتطاول -وجهًا لوجه، أو عبر وسائل التواصل- فخُذ نفسًا
عميقًا ولا ترد فورًا. فالصمت في لحظة الغضب حلم وإعراض.
-
تجنب الجدال العقيم: انسحب من النقاشات الجدلية التي لا
تهدف للوصول للحق، سواء على وسائل التواصل الاجتماعي أو في الحوارات المباشرة.
-
الصبر على الاستفزاز: اعلم أن هجوم الجاهل عليك غالبًا ما
يعبر عن نقصه ومشاكله الداخلية لا عن قدرك أنت، فلا تجعل سفاهته تستدرجك للخروج عن
خلقك.
وختامًا
أخي الكريم، إن التمسك بهدي هذه الآية العظيمة هو بوابتك لتحقيق انشراح الصدر
وسكينة القلب، والسبيل لرفع درجتك عند الله، وحسبك أن تتأسى بنبيك الكريم e الذي
أمره الله بهذه الأخلاق فكان خُلقه القرآن.
أسأل
الله أن يصب عليك السكينة صبًّا، وأن يجمِّل أخلاقك، ويزين حلمك، ويعصم لسانك
وقلبك عن الإساءة والجفاء. اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه،
ووفِّقنا للتخلق بأخلاق القرآن، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
روابط ذات صلة:
كيف أتعافى من إساءة قريبي وأتعامل مع ضغوط العفو؟
الرياضة والعفو ومجالسة أهل الفضل.. تعطي الحيوية والحماس