الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الأخلاق والمعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
15 - رقم الاستشارة : 5187
29/06/2026
أنا واحدة ربي أكرمني ببيت وعائلة، وأحاول قد ما أقدر إني أقوم بمسؤولياتي وأكون زوجة وأم صالحة.
المشكلة تبدأ لما أشوف بعض زميلاتي، أو صديقاتي القريبات اللي من نفس جيلي، وهم يحققون نجاحات قوية؛ سواء كانت نجاحات بوظايفهم ومناصب عالية، أو ربي ميسر لهم ماديًّا وعايشين مرفهين، أو ربي فتحها عليهم ببيوت وسيعة وسفر وتوسيع صدر.. هنا يضيق صدري مرة وأحس بغصة بقلبي غصب عني.
مع كل خبر حلو أسمعه بجمعاتنا، أو أشوفه بالسوشيال ميديا من مظاهر النعمة والتوفيق، تجيني نغزة بقلبي. وعلى إني أبتسم بوجههم وأبارك لهم وأبين إني فرحانة، إلا إني لما أقعد لحالي وأقفل بابي، أنهار من داخل وتبدأ المقارنات اللي تذبح
ويجيني هذاك السؤال المتعب: "ليه هم مو أنا؟ وش ناقصني عشان أكون مثلهم؟".
وأوقات يوصل فيني السوء لدرجة إني أحس بشيء يشبه تمني زوال النعمة عنهم، أو يجيني شعور إنهم ما يستاهلون هذا التوفيق كثر ما أنا أستاهله.
أنا أدري ومتأكدة إن الحسد يأكل الحسنات مثل ما تأكل النار الحطب، وأموت خوف إن صلواتي وصيامي وعباداتي تضيع بسبب هذا المرض الخفي اللي بقلبي.
ويجيني شعور قوي إني أقل من غيري وإني منافقة؛ لأن شكلي قدامهم كله حب ودعاء، بس من داخل أغلي غيرة وأحاول أضغط على نفسي وأكتمها. دايم أسأل نفسي بوجع: هل أنا منافقة؟ وكيف عايشة بوجهين؟
وهالأفكار والمقارنات بدت تسرق مني راحة بالي ورضاي باللي ربي قسمه لي من رزق وزوج وعيال. صرت أشوف بيتي ناقص، وتشتت عن عيالي وبيتي وما صرت أقوم بمسؤولياتي صح، لأن عقلي طول الوقت مشغول باللي بيدين غيري.
وش أسوي عشان أتشافى من هالمشكلة والغيرة من جذورها؟
وكيف أقدر أفرح لنعمة غيري فرح حقيقي يبرد على قلبي ويطلع من الأعماق بدون مجاملة أو تصنع؟
مرحبًا
بك أختي الفاضلة، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وعلى شجاعتك النادرة في طرح
هذا السؤال الذي يعاني من موضوعه كثيرون؛ لكنهم لا يملكون الشجاعة للاعتراف به.
أسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يملأ صدرك سَكينةً ورضوانًا، وأن يطهِّر قلبك من
كل كدر، ويقر عينك بزوجك وأبنائك، ويجعلك من أسعد خلقه في الدنيا والآخرة، وبعد...
لستِ
منافقة
دعيني
أبدأ معك من حيث انتهيتِ؛ من خوفك من أن تكوني منافقة تعيش بوجهين.
يا
أختي الكريمة، إن المنافق لا يبكي في خلوته خوفًا على ضياع حسناته، ولا يتألم من
وجود الغيرة في نفسه؛ بل إن خوفك هذا وانكسارك بينك وبين نفسك، وبحثك عن العلاج،
هو أوضح دليل على قوة إيمانك ويقظة ضميرك.
إن
ما تمرين به ليس نفاقًا؛ بل هو صراع بشري طبيعي بين النفس الأمَّارة بالسوء التي
تتطلع للمظاهر، وبين النفس اللوّامة الطاهرة التي تقودك الآن للتغيير.
إن
تبسمك في وجوه صديقاتك ومباركتك لهن -رغم حرقة قلبك- ليس نفاقًا اجتماعيًّا بل هو
جهاد نفس، فأنت تكظمين غيظًا وتدفعين شرًّا قد تؤذين به غيرك.
ولتشخيص
المشكلة، دعينا نناقش بعض الجوانب:
وهْم
صور «السوشيال ميديا»:
أنتِ
تقارنين تفاصيل حياتك المتعبة (تربية، مسؤوليات، روتين...) بمقطع «تجميلي» من حياة
صديقاتك. إن الصور المنشورة على «السوشيال ميديا» تعرض لحظات منتقاة ومُخرجَة
بعناية: السفرة الجميلة، البيت الواسع، المنصب الجديد... إلخ؛ لكنك لا ترين
الفواتير النفسية والجسدية التي دفعها أصحاب هذه الصور مقابل هذه النعم.
فقد
تكون صاحبة المنصب العالي تفتقد دفء الاستقرار الأسري الذي تعيشينه، وقد تكون
صاحبة البيت الواسع تعاني من جفاء عاطفي أو مرض لا يعلمه إلا الله.
يقول
الله –تعالى- محذرًا من هذا الفخ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْك إِلَىٰ مَا
مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّك خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [سورة طه: 131]. تأملي
كلمة ﴿زَهْرَةَ﴾، فالزهرة جميلة المنظر لكنها سريعة الذبول والزوال.
الأرزاق
مقسَّمة بحكمة الرزَّاق:
حين
نسأل: «ليه هم مو أنا؟»، فإننا دون أن نشعر ننازع الله في حكمته وقسمته. ثم إن
الأرزاق ليست مالًا ووظيفة فقط، إن الأرزاق: صحة، أولاد، راحة بال، زوج صالح، مال،
منصب... إلخ. والله -عز وجل- وزَّع هذه الأرزاق بحكمة بالغة، حيث يقول: ﴿نَحْنُ
قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [سورة الزخرف:
32].
وربما
لو كُشف لك الحجاب ورأيت حياة غيرك كاملة، لعدتِ واخترتِ حياتك التي قسمها الله
لك؛ لأن الله يعلم ما يصلح لك ولقلبك ولدينك.
ظالم
أشبه بمظلوم:
ولقد
التفت السلف الصالح لهذا المرض القلبي (الحسد والغيرة) وعالجوه بكلمات تسطر بماء
الذهب؛ إذ يقول التابعي الجليل الحسن البصري: «ما رأيت ظالمًا أشبه بمظلوم من
الحاسد: نَفَسٌ دائم، وحزن لازم، وعَبرة لا تَنفَد»؛ والنفَس الدائم هو زفرات
الحسرة، والعَبرة التي لا تنفد هي الدموع التي لا تنقطع. فالحسد يحرق صاحبه أولًا
قبل أن يصل هذا الحريق للآخرين.
يُحكى
أن رجلًا مرَّ بدار واسعة وقصر منيف لأحد الأثرياء، فنظر إليه ودخلت قلبه غصة،
وقال في نفسه: «أين كنا حين قُسِّمت هذه الأموال؟». فسمعه رجل حكيم، فأخذه من يده
وذهب به إلى المستشفى، وأراه أصحاب الأمراض المستعصية المزمنة، وقال له: «وأين كنا
حين قُسِّمت هذه الأمراض؟». فبكى الرجل واستغفر وعلم أن نعم الله لا تُقاس بالمال
وحده.
ثلاث
خطوات للشفاء
ولكي
نقتلع هذه الغيرة ونبدلها برضا يثلج صدرك، أنصحك بالخطوات التالية:
أولًا-
عند سماع خبر مفرح لغيرك: قولي فورًا وبصوت مسموع لنفسك:
«اللهم بارك لهم وزدهم من فضلك». هذا الدعاء يطرد الشيطان ويقتل نبتة الحسد في
مهدها.
وبدل
أن تقولي: «لماذا هم؟»، قولي: «يارب، كما رزقتهم برحمتك، ارزقني بفضلك وكرمك».
ثانيًا-
تصحيح مفهوم «النجاح»: أنت لست أقل من صديقاتك. فقيامك على بيتك
وتربية عيالك وتخريج جيل صالح هو ثغر من أعظم ثغور الأمة، وهو مشروع استثماري
للمستقبل وللآخرة، أما المنصب فينتهي بالتقاعد. والبيت الواسع سنتركه يومًا،
وسيسكنه غيرنا من بعدنا، أما الولد الصالح والبيت المستقر المطمئن فهو الأثر
الباقي.
ثالثًا-
قطع دابر المقارنات: وذلك بإلغاء
متابعة أي حساب على وسائل التواصل يثير في نفسك المقارنة أو يشعرك بالنقص. احمي
عينك وقلبك.
ثم أحضري
دفترًا صغيرًا، واكتبي فيه يوميًّا خمس نِعم في حياتك (زوجي يعاملني باحترام،
العافية في صحتي، استقرار بيتي، ضحكة أطفالي... إلخ). ركزي على ما تملكين لا على
ما تفقدين.
ثم
عوِّدي عينك يا أختي على النظر لمن هم أقل منك ماديًّا، وليس من هم أعلى. يقول
النبي ﷺ: «انْظُرُوا
إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكمْ،
فَهُوَ أَجْدَرُ أَلَّا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكمْ» [رواه مسلم].
وختامًا
أختي الفاضلة، إن هذه الغصة التي تشعرين بها هي جرس إنذار يعيد ترتيب علاقتك بالله
وبالدنيا. تذكري دائمًا أن الدنيا دار ممر لا دار مقر، وأن السباق الحقيقي ليس في
المناصب والبيوت والأموال والسفر، بل في القرب من الله والقلب السليم: ﴿يَوْمَ لَا
يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[سورة الشعراء: 88 و89].
فاللهم
يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم طهر قلوبنا من الغل، والحسد، والكبر،
والرياء. اللهم ارزقنا الرضا بما قسمت، واجعلنا من أوسع خلقك صدرًا، وأكثرهم حمدًا
وشكرًا. اللهم بارك لأصحاب النعم في نعمهم، وارزقنا من فضلك العظيم رزقًا حسنًا
يرضينا ويسعدنا في الدين والدنيا والآخرة. وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد وعلى
آله وصحبه أجمعين.
روابط
ذات صلة:
الشاب والدخول في دوامة المقارنات النفسية عبر مواقع التواصل
كيف ننجو من فخ مقارنة حياتنا بحياة الآخرين؟