الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الأخلاق والمعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
190 - رقم الاستشارة : 4186
28/02/2026
انتشرت عبارة تقول: "اللي على نيته حوبته قوية" ويُقصد بها أن من كانت نيته صافية وسريرته نظيفة، ولا يحمل في قلبه خبثًا ولا أذى، فإن الله يتولى الدفاع عنه وينصره بطريقة قد لا يتخيلها أحد.
فهل لهذا المعنى أصل في الشريعة الإسلامية؟
وهل يوجد في القرآن الكريم أو في سنة النبي ﷺ ما يؤيد هذا المفهوم أو يدل عليه؟
وما الضوابط الشرعية لفهم مثل هذه العبارات حتى لا يُفهم منها أن حسن النية وحده يكفي لدفع البلاء أو جلب النصر دون الأخذ بالأسباب؟
نرجو بيان التأصيل الشرعي لهذا المعنى، مع التفريق بين المعنى الصحيح الموافق للنصوص، وبين ما قد يكون من العبارات الدارجة التي تحتاج إلى ضبط شرعي.
مرحبًا بك أخي الكريم، وأسأل الله العلي العظيم أن يرزقك سداد الرأي، ونقاء السريرة، وأن يجعلك مباركًا أينما كنت، ويصرف عنك كل سوء ومكروه، وبعد...
فهذه العبارة الدارجة بمعناها الذي ذكرته، تحمل في طياتها إشارة إيمانية عميقة، يعتقدها العوام بصفاء فطرتهم، وهي أنَّ الشخص الذي يملك قلبًا نقيًّا، ولا يبيِّت السوء لأحد، يكون في كنف الله وحمايته، بحيث ينقلب مكر من أراد به سوءًا عليه.
وهذا المعنى -وإن صيغ بلهجة عامية- فإن له جذورًا تمتد إلى نصوص الوحيين، إذا ما فهمناه في سياقه الصحيح. وإليك التفصيل.
التأصيل الشرعي لمعنى العبارة
إن جوهر هذه العبارة يدور حول فكرة «الولاية الإلهية» و«الدفاع الرباني» عن عباد الله المخلصين. فمن أصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن جعل هَمَّه إرضاء الله بسلامة صدره، تولى الله أمره.
إن الله -عز وجل- قد قطع على نفسه عهدًا بنصرة المظلوم، ولا سيما إذا كان هذا المظلوم ضعيفًا لا ناصر له إلا الله، أو كان صاحب قلب سليم لا يحمل ضغينة.
يقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: 38]. وهذا الدفاع ليست مجرد رد أذى؛ بل هو نصرة وتأييد، وكلما قوي إيمان العبد وصفا إخلاصه، كان دفاع الله عنه أشد.
أدلة من السُّنة الشريفة
لقد حفلت النصوص الشرعية بما يؤيد أن نقاء السريرة سبب في كفاية الله للعبد، ومن ذلك: الحديث القدسي العظيم الذي هو أصل في هذا الباب؛ إذ يقول رسول الله ﷺ: «إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب» [رواه البخاري]. والولي هنا هو المؤمن التقي الذي صفت سريرته، فإذا آذاه أحد، أعلن الله الحرب على ذلك المؤذي، فهل يُهزم من حارب الله عدوه؟!
وقال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: «واتقِ دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» [متفق عليه].
وصاحب النية الطيبة غالبًا ما يكون تفويضه لله كاملًا، فإذا أوذي انكسر قلبه لله، فيأتيه النصر أسرع.
الضوابط الشرعية لفهم العبارة
حتى لا يجنح بنا الفهم نحو الاتكال أو المفاهيم الخاطئة، لا بد من ضبط هذه العبارة بضوابط الشريعة، منها:
1- عدم إهمال الأسباب: حسن النية لا يعفي المسلم من اتخاذ الحيطة والحذر. فالنبي ﷺ وهو أطهر الناس قلبًا، كان يلبس الدرع في الحرب، ويأخذ بالأسباب المادية. فينبغي للإنسان ألا يفرط في حقوقه أو يعرِّض نفسه للهلاك، ثم يقول: «نيتي طيبة والله سينصرني» وهو مفرط.
2- إصلاح العمل: فالقاعدة الشرعية تقول إن النية الصالحة لا تُصلح العمل الفاسد. فلا يجوز فعل المنكر أو مخالفة الشرع بحجة أن النية صافية، فالدفاع الإلهي يكون للذين آمنوا واتبعوا الحق.
3- تجنب تزكية النفس: ينبغي للمسلم ألا يمدح نفسه ويزكيها ويهدد بنيَّته الناس؛ لأن هذا يتنافى مع كمال الإخلاص وسلامة الصدر التي هي سبب النصر أصلًا. فبمجرد أن يرى الإنسان نفسه أفضل من غيره، قد يُحرم من تلك الكفاية الربانية.
4- الصبر والاحتساب: قد يتأخر نصر الله لصاحب النية الطيبة ابتلاءً له، فلا يجوز أن يشك في وعد الله إذا لم يرَ أثرًا فوريًّا فيمن ظلمه.
التفريق بين المعنى الدارج والمعنى الصحيح
في العرف الدارج، قد يظن البعض أن «الحوبة» نوع من الطاقة أو السحر الذي يصيب الآخرين! وهذا فهم قاصر.
والمعنى الصحيح هو أن الله عدلٌ، ولا يرضى بكسر قلب العبد الذي قصده بصدق. فمن مكر بصاحب النية الطيبة، مكر الله به، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: 43].
وختامًا أخي الكريم، إن عبارة «اللي على نيته حوبته قوية» هي ترجمة شعبية لمفهوم «مَن كان مع الله كان الله معه». فليطمئن صاحب النية الصافية، وليعلم أن له ربًّا يغار على أوليائه، ولكن عليه أن يجمع بين طهارة الباطن ورشد الظاهر، فيأخذ بالأسباب، ويحفظ حدود الله، ويفوض أمره إلى الله.
أسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا من الغل والحسد، وأن يجعل سرائرنا خيرًا من علانيتنا، وأن يكفينا شرار الخلق، وينصرنا بنصره المؤزر. بارك الله فيك ونفع بك.
روابط ذات صلة:
النية وآثارها على المعاملات بين المسلمين