الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الأخلاق والمعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
208 - رقم الاستشارة : 3225
08/11/2025
أشعر أن عملي الحالي لا يناسبني نفسيًّا ولا أخلاقيًّا، لكنه مستقر ماليًّا.
أعيش صراعًا يوميًّا بين البقاء فيه لأجل الرزق، وبين السعي لوظيفة أنفع للناس وأليق بما أؤمن به.
هل يُعدّ تمسكي بالوظيفة خوفًا من الفقر ضعفًا في الإيمان؟ وكيف أميّز بين التوكل والتهور؟
مرحبًا بك أخي الكريم، وشكرًا جزيلًا لك على ثقتك بنا، وأسأل الله العظيم أن يفتح لك أبواب الخير والرزق الحلال، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك إلى أفضل القرارات التي ترضي ربك وتُسعد نفسك، وبعد...
فقبل الخوض في مسألة التوكل والتهور، يجب علينا أولًا الوقوف على نقطة مفصلية: هل عملك حرام قطعًا، أم هو مجرد عمل قد يكون وضيعًا بالنسبة لك، أو لا تقبله نفسك؟
فإذا عُدت لأهل العلم الموثوقين وتأكدت أن عملك حرام قطعًا (كأن يكون فيه تعامل مباشر بالربا، أو بيع شيء محرم شرعًا، أو ظلم بيِّن للناس)، فإن الأمر يختلف كليًّا؛ حيث لا يجوز لك البقاء فيه لحظة واحدة بعد التأكد من حرمته. فلا بركة في المال الحرام، ومهما بدا مستقرًّا، فهو زائل في الدنيا، ووبال وتبعة في الآخرة.
وتذكر يا أخي قول النبي ﷺ: «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نفثَ في رُوعِي، أنَّ نفسًا لَن تموتَ حتَّى تستكمِلَ أجلَها، وتستوعِبَ رزقَها، فاتَّقوا اللهَ، وأجمِلُوا في الطَّلَبِ، ولا يَحمِلَنَّ أحدَكم استبطاءُ الرِّزقِ أن يطلُبَه بمَعصيةِ اللهِ، فإنَّ اللهَ تعالى لا يُنالُ ما عندَه إلَّا بِطاعَتِهِ» [رواه الطبراني].
وفي هذه الحالة يكون الانسحاب مع الأخذ بالأسباب (البحث الفوري عن البديل) هو عين التوكل على الله.
وتذكر أن «مَا تَرَكَ أَحَدٌ شَيْئًا لِلَّهِ إِلَّا عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ» [رواه أحمد]. فإذا كان عملك الحالي يمس شيئًا من أخلاقك أو دينك، وتركته خالصًا لله بعد أخذ الأسباب، فثق أن التعويض قادم من حيث لا تحتسب.
أما إذا كان عملك مباحًا شرعًا؛ لكنه يسبب لك نفورًا نفسيًّا أو شعورًا بعدم النفع للناس، أو يتعارض مع طموحاتك (كأن يكون مملًّا، أو غير ذي قيمة مجتمعية في نظرك، أو فيه احتكاك مع بيئة غير مناسبة)، فهنا ننتقل إلى هذا السؤال:
هل يُعدُّ تمسكك بالوظيفة خوفًا من الفقر ضعفًا في الإيمان؟
والجواب هو: ليس بالضرورة، بل هو نزعة فطرية إنسانية تحتاج إلى توجيه وضبط. فالخوف من الفقر هو من المزالق التي حذرنا منها القرآن الكريم؛ لأنه باب من أبواب الشيطان يُدخل الشك في وعد الله. يقول تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: 268].
فإذا كان الدافع الحقيقي لبقائك هو الشك في ضمان الله لرزقك لو تركت العمل المباح، فنعم، هنا يكون لديك خلل في التوكل. أما إذا كان الدافع هو التخطيط الواعي وتجنب إلقاء النفس في المجهول دون إعداد، فهذا من الحكمة التي أمرنا بها الشرع.
إن المؤمن القوي هو الذي يأخذ بالأسباب، ويدرك أن الرزق قد كُتب، وأن ترك العمل المالي المستقر لا يتم إلا بعد وضع خطة بديلة مُحكمة.
فالخوف المذموم هو الذي يجعلك تستمر في عمل يُغضب الله، أو يُميت ضميرك، أو يُفسد أخلاقك، اعتقادًا منك أن هذا هو السبيل الوحيد للنجاة.
أما الخوف المشروع فهو الذي يدفعك إلى التفكير والتخطيط للمستقبل لتأمين نفسك وعيالك، دون أن يمنعك من السعي لتغيير الواقع إلى الأفضل.
كيف تميّز بين التوكل والتهور؟
التوكل هو: صدق اعتماد القلب على الله –تعالى- في جلب المصالح ودفع المضار، مع الأخذ بجميع الأسباب المشروعة الممكنة.
والتوكل ليس كسلًا ولا انتظارًا سلبيًا؛ بل هو أن ترى وعد الله بعين قلبك، ثم تبذل كل ما في وسعك. كما قال عز وجل: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة التوبة: 51]. إذن، التوكل فرض لا يُلغي السعي.
والتوكل في حالتك يكون بالبقاء في وظيفتك الحالية مؤقتًا (لو كانت حلالًا كما بيَّنَّا من قبل) مع البحث الجاد والمُكثَّف عن البديل، والدعاء والاستخارة بصدق.
أما التهور فهو: ترك الأسباب عمدًا، والاعتماد على مجرد الأمنية أو الوهم دون إعداد أو تخطيط، وهو مخالفة للمنهج الشرعي والعقلي. ومثاله في حالتك أن تترك عملك المستقر الآن، وليس لديك أي مدخرات، ولا وظيفة بديلة، ولا مهارة جديدة، بحجة أن الله سيرزقك. فهذا تهور وسوء تدبير، وربما إلقاء بالنفس إلى التهلكة (الفقر والحاجة)، فضلًا عن أنه إذا كانت لديك عائلة، فتركك للعمل دون تخطيط هو تهور يضر بمسؤوليتك عنهم، وقد قال النبي ﷺ: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت» [رواه أبو داود].
خطة للتحوُّل:
- التدريب وتطوير الذات: استثمر وقت فراغك (بعد العمل) في اكتساب المهارات اللازمة للوظيفة الجديدة التي تراها أنفع وأليق.
- توفير شبكة أمان: ادخر من راتبك الحالي ما يكفيك لتغطية نفقاتك لستة أشهر على الأقل (في حال إذا قررت ترك العمل قبل إيجاد بديل).
- البحث المُنظَّم: ابدأ بالبحث الجاد عن عمل بديل وأنت في وظيفتك الحالية. لا تُعلن عن قرارك إلا عند تأمين البديل.
- الدعاء الدائم: ألِحَّ على الله بالدعاء أن يختار لك الله الأنفع والأصلح لدينك ودنياك.
- صلاة الاستخارة: حينما تتاح لك فرصة بديلة، أو تشعر بالاستعداد للترك، استخر الله –تعالى- بقلبٍ صافٍ وعزمٍ على الرضا بقضاء الله.
وختامًا أخي الفاضل، أتمنى لك كل التوفيق في مسيرتك، سائلًا المولى –عز وجل- أن ييسر لك أمرك، ويشرح لك صدرك، وأن يجعل لك من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هَم فرجًا. اللهم آمين.
روابط ذات صلة:
غريب في بيئة العمل.. فهل أترك الوظيفة؟
قلق ضياع الوظيفة والتفكير في المستقبل
عملي لا يناسب مؤهلي.. كيف أحارب الإحباط؟!