الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الأخلاق والمعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
12 - رقم الاستشارة : 5224
02/07/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا سيدة عندي 43 سنة، وبحاول على قد ما أقدر والحمد لله إني ألتزم بديني وأتقي ربنا في كل معاملاتي. مشكلتي اللي تعباني موجودة في تعاملاتي مع الناس اللي حواليا، سواء في الشغل أو مع الأصحاب وحتى في العيلة ساعات؛ لأني بتعرض دايمًا لمواقف، وغلطات، وكلام بيجرح ويستفز من ناس قريبين مني.
في أوقات كتير، بحاول أستحضر النية وأكتم غيظي عشان أرضي ربنا سبحانه وتعالى. بس بلاقي صعوبة كبيرة جدًا إني أصفى من جوايا بجد (سلامة الصدر)؛ يعني ببقى مبينة إني مسامحة قدام الناس، بس ببقى حاسة بغصة وحرقة في قلبي، وبتجيلي رغبة شديدة إني أخد حقي وأرد الكلمة بكلمتها عشان أحافظ على كرامتي.
الشيطان ساعات بيوسوس لي إن سكوتي ومسامحتي المستمرة دي بتخليني أبان ضعيفة، وده بيشجع الناس إنها تستهون بيا وتكرر غلطاتها معايا.
فإزاي أتعامل مع مشاعر الغضب السريعة دي في نفس وقت الموقف المؤذي؟ وإزاي أمنعها إنها تتحول لغل أو حزن جوايا؟
وإيه الخطوات اللي تساعدني إني أسامح بجد من كل قلبي، عشان ربنا يرضى عني وأنا كمان أرتاح نفسيًا؟
وإزاي أوازن بين العفو والمسامحة، وبين إني أحط حدود تحمي كرامتي وتمنع استغلال طيبتي؟
وجزاكم الله خيرًا.
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أختي الفاضلة، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك
معنا، أسأل الله أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، وأن يربط على قلبك ويملأه سلامًا
وسكينة، ويجزيك خير الجزاء عن كظمك لغيظك وصبرك على أذى الناس، وأن يرفع قدرك في
الدارين، وبعد...
ابتلاء
مخالطة الناس
يا
أختي الكريمة، إن مخالطة الناس والتعامل مع عقولهم وأخلاقهم المختلفة هو ابتلاء
كبير ولا شك. والإنسان المستقيم يجد نفسه أحيانًا في مواجهة مباشرة مع طبائع بشرية
قد تكون فظة أو مؤذية. وقد لخص لنا النبي ﷺ هذه الحقيقة حين قال: «الْمُؤْمِنُ
الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ
الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» [رواه ابن ماجة].
كيفية
إدارة الغضب
هناك
منهج شرعي وضعه لنا القرآن الكريم، وكذلك السنة النبوية المطهرة، للتعامل مع
الغضب الذي يعرض لنا ونحن نتعامل مع الناس، وإليك ملامح هذا المنهج:
1-
الاستعاذة الفورية: الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب
ابن آدم، وأول سلاح لإطفائها هو الاستعاذة بالله. قال تعالى: ﴿وَإِمَّا
يَنزَغَنَّك مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ
عَلِيمٌ﴾ [سورة الأعراف: 200].
2-
الصمت والتمهُّل في الرَّد: لا ترُدِّي مباشرة، فالرد السريع
غالبًا ما يكون مدفوعًا بالغضب، وغالبًا ما يندم الإنسان عليه. قال النبي ﷺ:
«إِذَا غَضِبَ أَحَدُكمْ فَلْيَسْكتْ» [رواه أحمد]. وهذا الصمت ليس ضعفًا؛ بل هو
مهلة لعقلك ليعيد السيطرة على مشاعرك.
3-
تغيير وضع الجسد: إذا كنتِ قائمة فاجلسي، وإن كنتِ جالسة فاتكئي
أو غيِّري مكانك إن أمكن. قال رسول الله ﷺ: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكمْ وَهُوَ
قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ»
[رواه أبو داود]. فتغيير الحركة يكسر حدة العصبية.
4-
الوضوء: إذا
كان الموقف في العمل أو المنزل وتوفرت الفرصة، فاذهبي وتوضئي. فالماء يبرد الجسد
ويهدئ النفس ويطفئ نار الغضب.
كيفية
تحقيق سلامة الصدر
إن
الكتمان المستمر للغيظ دون تصريف فكري ونفسي يتحول مع الوقت إلى غل وحقد، وهذا ما
يجعلك تشعرين بهذه الحرقة. ولكي يكون صدرك سليمًا، أنصحك بما يلي:
1-
التماس الأعذار: حين يسيء إليك أحدهم، قولي لنفسك: «هذا الشخص
يعكس ما في داخله من ضغوط أو نقص، وليست المشكلة فيَّ أنا». انظري إليهم نظرة
الطبيب للمريض، فالمسيء شخص مريض الخُلق، والمريض يُرحَم ولا يُحقد عليه.
تذكري
قصة الصحابي الذي قال عنه النبي ﷺ لثلاثة أيام متتالية: «يَطْلُعُ عَلَيْكمُ الآنَ
رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ». ولما راقبه عبد الله بن عمرو بن العاص ليعرف سر
عمله العظيم، لم يجد كثرة صلاة أو صيام، بل قال الرجل: «مَا هُوَ إِلَّا مَا
رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لاَ أَجِدُ فِي نَفْسِي لأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
غِشًّا، وَلاَ أَحْسَدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ». فقال
عبد الله: «هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِك، وَهِيَ الَّتِي لاَ نُطِيقُ» [رواه
أحمد].
2-
تفريغ المشاعر بالكتابة والشكوى لله: لا تكبتي
مشاعرك؛ بل اكتبيها لتفرغيها، وتوضئي في جوف الليل، وقفي بين يدي الله، واشكي له
بثك وحزنك كما قال يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى
اللَّهِ﴾ [سورة يوسف: 86]. فالشكوى لله ترفع الهم، أما الشكوى للناس فقد تزيده.
3-
الدعاء: اجعلي
هذا الدعاء وردًا يوميًّا لك: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ
آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّك رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة الحشر: 10].
وقبل
أن تغمضي عينيك كل ليلة، قولي: «اللهم إني أُشهدك أني قد تصدقتُ بعِرضي على
عِبادك، وعفوتُ عن كل من ظلمني أو اغتابني أو أساء إليَّ ابتغاء وجهك، فاعفُ عني».
خطوات
تساعد على العفو
إن
العفو عن الناس ليس تنازلًا، بل هو تجارة رابحة مع الله، واستعلاء إيماني على
صغائر البشر. ولكي تصلي لهذه المرتبة أنصحك بالتالي:
1-
تذكري قصة الصدِّيق ومسطح: عندما خاض مسطح بن أثاثة في عرض
السيدة عائشة في حادثة الإفك، وكان والدها أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- ينفق على
مسطح لقرابته وفقره، أقسم أبو بكر ألا ينفق عليه مجددًا. فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا
يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ
وَالْمَسَاكينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا
وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكمْ ۗ وَاللَّهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة النور: 22]. فلما سمعها أبو بكر بكى وقال: «بلى والله،
إني لأحب أن يغفر الله لي»، وأرجع النفقة. فانقلي تفكيرك من المسيء إلى رب المسيء،
وقولي: «عفوتُ عنهم ليعفو الله عني».
2-
تحلِّي بعزِّ العفو: فالعفو يعطيك عزًّا ومكانة لا
ضعفًا. وقد دحض النبي ﷺ وسوسة الشيطان بأن العفو ضعف؛ إذ قال: «وَمَا زَادَ
اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا» [رواه مسلم]. والعفو هو قمة القوة؛ لأنه
انتصار على أعتى أعدائك: نفسك، والشيطان، والهوى.
3-
احتسبي الأجر: قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ
عَلَى اللَّهِ﴾ [سورة الشورى: 40]. تخيلي أن أجرك عند الله لم يُحدَّد، بل تُرِك
مفتوحًا على كرم الله سبحانه! فهل تتركين هذا الأجر العظيم لأجل كلمة قالها فلان
أو فلانة؟
الموازنة
بين العفو وحماية الكرامة
إن
الإسلام دين عزة، ولا يرضى للمؤمن أن يكون مستباحًا أو «جدارًا مائلًا». فالعفو لا
بد أن يكون مصحوبًا بالقدرة والحزم، حتى لا يكون خنوعًا واستسلامًا. ولتحقيق هذا
التوازن أنصحك بالتالي:
1-
ليس كل الناس سواء: إن العفو المطلق والصبر الجميل يكون
مع الأقربين، مثل الوالدين والزوج والأبناء... إلخ. أما زملاء العمل، والأصحاب،
والمعارف؛ فهؤلاء يُتعامل معهم بالقسط والعدل، مع وضع الحدود الصارمة المغلَّفة
بالأدب.
2-
عدم التفريط في الكرامة: قال رسول الله ﷺ: «لَا يُلْدَغُ
الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ» [متفق عليه]. فإذا غفرتِ في المرة
الأولى فهذا كرم، وإذا تركتِ الشخص يكررها دون موقف حازم معه فهذا تفريط في
الكرامة.
3-
الرد الحازم المؤدب: يُرغِّب الشرع في كتم الغيظ؛ لكن مع
إيقاف المسيء عند حده بعبارات واضحة ونبرة صوت هادئة وقوية. مثلًا: «أنا أقبل منك
النقاش، لكن لا أسمح بهذه الطريقة في الكلام معي». أو: «كلامك الأخير جارح وغير
مقبول، وأتمنى ألا يتكرر حرصًا على ما بيننا». بهذا الأسلوب، يرى المسيء قوتك
وأدبك معًا، فيحسب لك ألف حساب، وتتحقق فيك الآية: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَك وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾
[سورة فصلت: 34].
4-
تقليص مساحات الاحتكاك: لستِ مجبرة على التوسع في العلاقات
مع من يؤذيك. كوني «رسمية» في التعامل، خصوصًا في بيئة العمل. قللي الاختلاط،
واجعلي السلام والسؤال العابر هو الحد الأقصى، وبذلك تحمين نفسك من القيل والقال.
ومع
ما سبق كله، يمكنك تهدئة نفسك بتمارين التنفس، فعند التعرض لموقف مؤذٍ، خذي
شهيقًا عميقًا من الأنف واحبسيه عدة ثوانٍ ثم أخرجيه بزفير بطيء من الفم، مع تكرار
قول: «لا حول ولا قوة إلا بالله».
وختامًا
أختي الفاضلة، اعلمي أن جهادك لنفسك لتصل إلى «سلامة الصدر» هي من أعظم القربات،
ولا تأتي بين يوم وليلة، بل تحتاج إلى تدريب ومجاهدة مستمرة. ويعينك على ذلك
أن تملئي وقتك بأهدافك الخاصة، وتطوير مهاراتك، والتقرب إلى الله. فالنفس إن
لم تشغليها بالحق شغلتك بالباطل والتفكير في توافه ما يقوله الناس.
استبشري
خيرًا، وثقي بأن الله يرى ويسمع، وأنه -سبحانه- يدافع عن الذين آمنوا.
اللهم
يا حي يا قيوم، اجمع شتات قلب أختنا على طاعتك ورضاك. واشرح صدرها، وأذهب غيظ
قلبها. اللهم اجعلها من الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وزدها بعفوها عزًّا
ورفعة ومكانة. اللهم اكفها شرار خلقك، واجعل لها من كل هم فرجًا ومن كل ضيق
مخرجًا، واجعل صدرها سليمًا نقيًا تقيًّا لا غل فيه ولا حسد، وارزقها راحة البال
وصلاح الحال وطول العمر في طاعتك. وصلِّ اللهم وسلِّم على سيدنا محمد، وعلى آله
وصحبه أجمعين.
روابط
ذات صلة: