الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : استشارات أخرى
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
76 - رقم الاستشارة : 5488
01/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله..
أنا فتاة عمري ١٩ أعيش في أسرة نوعاً ما غير محافظة، ولكنني منذ خلقت ويقولون إنني مختلفة عنهم ولست منهم كوني ملتزمة وأحفظ القرآن وأصاحب فتيات الحلقات والمراكز الدينية ولا أضع المكياج ولا أخرج بالعطور أشعر وكأنها هداية من الله لي الحمد لله.
لكنني أعاني من غربة داخل بيتي لا أنكر أنهم يحبوني فأنا متفوقة ومحبوبة عند أبي وأمي وأخواتي فأنا أخت لستة أخوات حبنا بالمنزل كأي حب بين العائلة والأخوات لكن إذا خرجنا جماعة ورآنا أحد من الاقارب أو غيرهم يسألون أمي هل متأكدة أنها ابنتك؟ كون أمي وأخواتي هداهن الله متبرجات ويضعن المكياج والعطور الغالية والملابس الضيقة والشعر المكشوف تحت الحجاب.
لا أستطيع رفض الخروج معهم فهم عائلتي دوما ما أتوعظ عليهم وأحاول أخذ أخواتي لمراكز القرآن معي والمحاضرات لتثقيفهن وهدايتهن، لكن منذ فترة عدة شهور في النادي قامت المعلمة بعمل برنامج من سيتغير في العيد فأقبلن الفتيات من جميع الأعمار ٩-٤٠ عاما بالنقاب وعباءة الرأس وكنت من بينهن قد ارتديت عباءة الرأس والقفازات ولكن امي هددتني بالنقاب وقالت لما تشوفيني بالقبر بتلبسيه.
أنا أحب والداي وأشهد الله كم أحبهم وأدعو لهم ودوما ما أنسب مكانتي العلمية المتفوقة أنا طالبة طب بأن هذا من كد والدي ودعائهما وأمدح بهما وأحافظ على برهما لكني في الجامعة أرى الفتن تعصف بقلبي خصوصا عباءة الرأس السوداء والقفازات ملفتة دون النقاب فجميع بدني أسود ووجهي أبيض.
فقررت مناقشة أمي مرة أخرى بالنقاب أملا بدخول سنتي الجامعية الثانية بالنقاب فقالت بأسباب واضحة أن النقاب يمنع الزواج وسيجعل الناس تتكلم عليها وعلى أخواتي كيف هي متدينة ومنتقبة وعباءة الرأس في منطقتنا نادرة ومنقرضة إلا فتيات الحلقات يعني.
وكيف هي وأخواتي يضعن المكياج والعطور وعدم الاهتمام بالحجاب الشرعي فعادة ما يحضرن أعراسا لصديقاتهن ولا يهتمن بدخول العريس على قاعة الحفلة وهن مكشوفات الرأس أو يضعن الحجاب فوق رأسهن رفع عتب والرقبة ظاهرة والشعر من الأمام منسدل على الظهر هذا غير الشباب الذي يلاحق أخواتي من الجامعة إلى باب المنزل محاولة التحرش ثم يتزعمون أمام أبي نريد طلب يدهن للزواج.
والمشكلة أن أخواتي الجامعيات مخطوبات وكثيرا ما ينشرون صورهن على المواقع بحجاب وبدون على أساس عن طريق الخطأ وكيف سنفعل ذلك ونحن مخطوبات ثم يحذفنها وكثيرا ما خطيبهن يسعى للدخول عليهن أثناء زيارتنا ونلاحظ من جلساتهم الغريبة، فكنا مرة على طاولة الطعام ناكل وكنت أنا لا أجلس مع خطيب أختي فوقفت خلفهم بالمطبخ آكل وحدي فرأيته يضع يده على مؤخرتها ولم أتمالك نفسي فاذا بأختي تنتفض وتقفز للأمام لأنه أخذها دون علمها وهي تأكل، والمشكلة امي رأت ذلك والجميع لاحظ ولكنهم غلفوها بأنه قرصها في ظهرها هزلا.
أنا اعيش في منزل أحبه أهلي وأخواتي جدا لكني أعاني من الغربة فيه إذا واجهت أهلي بعادات سيئة لأخواتي من الأراجيل والذنوب واللباس أمي تجحرني وتقول لي ابقي على ما أنت عليه بلباسك هذا وستبقين عزباء طيلة عمرك تظنني أغار من خطوبتهن رغم أنهم تقدموا لي قبلهن ولأنني رفضت بسبب تدخينهم وعدم التزام الصلاة طلبوا أخواتي ووافقن ويقولون إنني مغرورة لأني طبيبة مستقبلية ولا أريد إلا طبيب مثلي وغدا سأرتبط بطلاب طب من خلفهم كون اللباس الشرعي لي غطاء افعالي.
ماذا أفعل صديقاتي في الحلقات لا يعرفن عن حالتي كوني دوما أمدح أهلي وجميعهن في بحيرات صالحة وأهل محبوبين والله يضعون صديقاتي لصلاحهن فوق رؤوسهم يرونهن ملكات أنا إذا خرجت بالعباءة مع أهلي ينادونني بخفاش عن طريق المزح وعلى مواقع التواصل يعلقون لي أمام الناس نحمد الله على نعمة الستر عليك.
ابنتي الغالية تقدم لي شاب صالح وحافظ للقرآن وتعلقت به لكن بعد سنة وعد بالزواج اختفى وقال لي السبب أهلك غير محافظين وأخشى أن تكوني مغلفة بالصور وأنت في باطنك مثلهن مع أنني معروفة في مجتمعي بالصلاح وحفظي القرآن ومصاحبة الصالحات.
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً ومرحبا بك ابنتي الكريمة مرة أخرى في
موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.
تكلمنا
سابقًا في الجزء الأول من هذه الاستشارة والذي جاء تحت عنوان كيف تعيش الفتاة الملتزمة في
عائلة ترفض حجابها؟ عن أهمية أن تبذلي جهدًا كبيرًا في صلاح باطنك حتى
يشملك الصلاح ظاهرًا وباطنًا، وأن تحذري من احتقار اخواتك أو ترين أنك أفضل منهن
عند الله؛ لأن هذه من الصور الشائعة لتلبيس إبليس لمن يختار طريق الهدى والصلاح.
اليوم
أريد أن أناقش مشاعر الغربة التي تشعرين بها داخل أسرتك وما هي أفضل طرق الدعوة
التي تناسب واقعك وكيف تأمرين بالمعروف وتنهين عن المنكر، وأيضًا أريد مناقشة قضية
زواجك في ظل هذه الظروف التي تعيشين فيها.
الاغتراب
داخل الأسرة
من
أقسى المشاعر التي يمكن أن تعيشها الفتاة عمومًا أن تشعر بالاغتراب داخل المكان
الذي ينبغي أن يكون مصدر الأمان والدفء الأول في حياتها، لكن -يا ابنتي- هذه درجة
من الابتلاء تعاني منها كثير من الفتيات بوجه عام والفتيات الملتزمات في بيئة غير
ملتزمة بوجه خاص.
الاختلاف
بينك وبينهن جعل العلاقة متوترة بشكل خفي مما أفقدها عنصر الراحة والطمأنينة، وهذا
كله تمت ترجمته عندك لمشاعر غربة.. السبيل الوحيد للتآلف معهن في اللحظة الراهنة
أن تتخلي عن صورتك الخارجية وهذه الصورة هي امتثال لأوامر الله عز وجل، وأنت
بالطبع لن تتبرجي حتى تحصلي على هذه الألفة {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ
وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ
اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا
أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا
حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ
الْفَاسِقِينَ}.
لكن
-يا ابنتي الغربة- درجات كما أن الألفة درجات، وأنت فتاة رقيقة ذات قلب طيب تحبين
والدتك وأخواتك ولا تذكريهن إلا بخير، وهذا أساس جيد لدرجة من درجات الألفة.
سوف
أنصحك نصيحة تساعد على بناء مساحة من الألفة وتقلل إلى حد ما من مشاعر الاغتراب
التي تعاني منها:
تحدثي
معهن يا ابنتي بعيدًا عن قضية الحجاب والتبرج.. تحدثي معهن في قضايا إنسانية
عامة.. تحدثي معهن عن أحلامهن وأفكارهن ومخاوفهن.. اسأليهن بصدق عن أحوالهن ثم لا
تقومي فيهن واعظة، وسوف أشرح لك ذلك بتوسع في النقطة المتعلقة بالأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر.
أنت
أيضا تعرفين أنهن يحببنك وتعرفين أن أمك تحبك، لكن كثرة النقد والتعليقات منك تسبب
رد فعلي نقديًّا تحسسيًّا وتضعهن في موضع هجوم، فإذا كنت أنت تعلقين عن نشر صور
متبرجة وشباب تطاردهن حتى البيت وتجاوزات أثناء الخطبة وصمت من والدتك حتى لو كن
يعلمن في أعماق قلبهن أن هذه ليست الحقيقة، فعندما يقال لك أنت مغرورة أو يقال لك
أنك تتخذين من ظاهرك الملتزم تمويهًا حتى تقيمي العلاقات مع زملائك الأطباء فهذا
كله يقع ضمن استراتيجية الهجوم "المزيف" خير وسيلة للدفاع.
الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر
كما
قلت لك -يا عزيزتي- قللي النقد للحد الأدنى.. اجعلي من الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر أداة تستخدم بحذر شديد حتى لا تحدث نتيجة عكسية {وَلَا تَسُبُّوا
الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ
عِلْمٍ}، وتذكري أن الأمر بالمعروف يكون بالمعروف والنهي عن المنكر يكون بأسلوب
غير منكر.
لا
تنتقدي كل صغيرة وكبيرة.. اكتفي بنقطة واحدة أو اثنتين وركزي عليهما.. أخت قالت
الصورة تم نشرها بالخطأ تظاهري بتصديقها.. قللي مساحة الاحتكاك والشقاق للحد
الأدنى.
ابني
مساحات جديدة قائمة على التفهم.. مساحات تجعلك الأقرب لنم.. من يرغبن في الحكي
معها حتى تستندي لهذه المساحة الآمنة في الدعوة.
اهتمي
بفقه الأولويات في الدعوة، فبدلاً من أن يكون الحجاب الشرعي أولوية.. اجعلي من
الصلاة على وقتها أولوية.. تحدثي معهن عن الدعاء وعن ذكر الله وعن الله الرحيم
القريب سميع الدعاء.. ابني معهن الأساس أولاً.. وأكثري من الدعاء لهن بالهداية
فالهدى هدى الله عز وجل.
اهتمي
بنفسك
بقيت
نقطة خطيرة بالغة الأهمية: لا تنسي بناء نفسك على كافة المستويات الظاهرة والباطنة..
اهتمي بمشاعرك الداخلية التي تعاني الاغتراب ولا تكبتيها.. اكتبي مشاعرك على الورق
أو قومي بتسجيلها صوتيًّا أو شاركيها مع صديقة ثقة.. أو اشكي بثك وحزنك لله.. في
النهاية أنت بشر مهما كنت ملتزمة بحاجة لدعم نفسي وعاطفي.
وبمناسبة
الدعم العاطفي، هذا الشاب الذي تركك خشية أن تكون حقيقتك مثل بقية أخواتك لا تحزني
عليه فهو شاب سطحي سيئ الظن لا يمتلك الحد الأدنى من مهارات الكلام والتواصل الجيد،
ولا تجعلي للكلام الذي قاله قيمة وتشعرين أنك متهمة بحاجة للدفاع عن نفسك.. الله
سبحانه وتعالى هو الرزاق فاسأليه أن يرزقك بالزوج الصالح الذي تقر عينك به عاجلاً
غير آجل..
وأنصحك
أن تهتمي بمعرفة باطن من يتقدم لك ولا تكتفي بالظاهر الذي يبدو عليه الالتزام..
أيضا انتبهي لمسألة الكفاءة ولا أعني أنه لا بد أن تتزوجي طبيبًا، ولكنني أعني أن
تشعري أن هذا الرجل كفء لك وأنك تقبلين بقوامته عليك.. أن ترضي دينه وخلقه وما فيه
من طباع ونمط شخصية.. وترضي شكله ومظهره.. وترضي عقله وحكمته.. وتقدري تحمله
للمسئولية؛ فلا تتعجلي تحت وطأة مشاعر الاغتراب والضغوط وتوافقي على غير الكفء.. يسر
الله أمرك يا ابنتي ورزقك الخير كله، وتابعيني بأخبارك.
روابط
ذات صلة:
كيف يتغلب المتدين على الغربة في مجتمع المظاهر؟