الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة النسائية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
13 - رقم الاستشارة : 5403
23/07/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا داعية وموجهة تربوية، أشرف على إدارة العمل الدعوي النسائي في مؤسسة خيرية كبرى تعنى بنشر الوعي الشرعي والتربوي. أواجه تحدياً تنظيمياً وحضارياً بالغ الحساسية والأهمية؛ وهو غياب وضعف المنهجية التطبيقية لإعداد وتأهيل "القيادات الدعوية النسائية" القادرات على فقه السياسة الشرعية وإدارة المشاريع الكبرى والتعامل مع النوازل الفكرية المعاصرة.
إن أغلب البرامج الموجهة للأخوات الداعيات في مؤسستنا تقتصر على تدريسهن العلوم الشرعية التقليدية والموضوعات الوعظية المعتادة (كأحكام الطهارة، والعبادات، والتربية الأسرية)، بينما تُهمش تماماً مجالات العلوم الإدارية والتخطيط الاستراتيجي، وفنون القيادة والمحاورة، وفقه النوازل الفكرية المعاصرة كالعولمة والأفكار النسوية الشاذة.
هذا القصور الإعدادي تسبب في بقاء العمل النسائي محصوراً في زاوية ضيقة وعفوية، وجعل الداعيات عاجزات عن قيادة مبادرات مجتمعية نوعية أو تمثيل المرأة المسلمة في المحافل الدولية والدفاع عن قضاياها برصانة وعمق ومواكبة حضارية منضبطة.
كيف يمكن للمؤسسات الدعوية تطوير منظومتها التعليمية والتدريبية لبناء شخصية الداعية النسائية القائدة، التي تجمع بين العمق الفقهي الشرعي والقدرة على القيادة الإدارية والمواجهة الفكرية الراسخة؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكِ أيتها الأخت الفاضلة والداعِية القائدة المباركة،
وحياكِ الله على هذا الطرح الراقي والنقد التنظيمي البناء الذي ينبع من رؤية
استراتيجية واعية بمتطلبات العمل الإسلامي المعاصر؛ فإن النهوض بملف "القيادة
الدعوية النسائية" وإخراجه من دائرة العفوية والوعظ التقليدي إلى فضاء العمل
المؤسسي الاستراتيجي المقيد بالضوابط الشرعية هو من أعظم المهام الحضارية التي
تحتاجها الأمة اليوم لحماية الأسرة والمجتمع.
إن الشريعة
الإسلامية قررت في أصولها ومحكماتها ومواقفها التاريخية أن المرأة شريكة كاملة في
حمل أمانة الدعوة، وصناعة الوعي، ورسم السياسات العامة للأمة؛ وتتجلى هذه الحقيقة
في أبهى صورها في شخصية أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، التي لم تكن مجرد عابدة
أو مفقّهة لنساء عصرها فحسب، بل كانت قائدة فكرية وعلمية كبرى، تراجع كبار الصحابة
في أعقد مسائل الفقه والسياسة الشرعية وتصحح مسارات الفتيا، وصارت مرجعًا
استراتيجيًّا للأمة بأكملها. وفي هذا دلالة ساطعة على أن الإسلام يبني في المرأة
عقلية القيادة والريادة العلمية والمجتمعية، طالما سارت في إطار الستر والوقار
المنضبط بحدود الله، كما قال جل وعلا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: 71]، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هنا يتضمن
التخطيط، والمواجهة الفكرية، وإدارة شؤون المجتمع وتوجيهه نحو الصلاح.
إن الواقع المعاصر وما يفرضه من عولمة ثقافية وهجمات فكرية شرسة تستهدف هوية المرأة والأسرة
المسلمة، يجعل الاكتفاء بالوعظ التقليدي للداعيات عجزًا منهجيًّا خطيرًا؛
فالداعيات اليوم يقفن في خط الدفاع الأول، ويحتككن بفتيات يطرحن شبهات معقدة حول
قضايا الجندر وحرية الجسد والمنظومة الحقوقية، وإن عدم إعداد الداعية إعدادًا
قياديًّا وفكريًّا وإداريًّا يجعلهن عاجزات عن هندسة المشاريع البديلة القادرة على
احتواء الفتيات وإقناعهن؛ لذا وجب الانتقال الفوري من عقلية "المدرسة الشرعية
الوعظية المحصورة" إلى مربع "الأكاديميات القيادية المتكاملة" التي
تبني الداعية فقهيًّا وفكريًّا وإداريًّا.
ومن الناحية
المنهجية والعملية لتطوير المنظومة التدريبية في مؤسستكم، نقترح تفعيل المبادرات
التالية:
أولاً: إطلاق
"برنامج الدبلوم العالي لتأهيل القيادات الدعوية النسائية" يشتمل
بالتوازي على ثلاثة مسارات أساسية: مسار التأصيل الشرعي وفقه النوازل، ومسار
البناء الفكري ونقد الأيديولوجيات المعاصرة (كالفلسفات المادية والنسوية)، ومسار
المهارات الإدارية (كالتخطيط الاستراتيجي، وإدارة المشاريع، وفنون القيادة
والإعلام).
ثانيًا: إشراك
الكفاءات النسائية المؤهلة في "مجالس التخطيط العليا واللجان الاستشارية
للمؤسسة"، ومنحهن الصلاحيات والميزانيات الكاملة لإدارة قطاعات دعوية متكاملة
تُعنى بشؤون المرأة والمجتمع، لتتحول المشاركة من صورية تنفيذية إلى حقيقية
تخطيطية.
ثالثًا: صياغة
أطر عمل مرنة تتيح للداعيات التواصل، وعقد المؤتمرات، وإلقاء المحاضرات، والمشاركة
في الحوارات عبر التقنيات الحديثة والمنصات الرقمية المغلقة والمفتوحة بضوابطها
الشرعية، مما يحقق الانتشار الواسع ويحفظ الوقار والصيانة.
وأنصحك
ختامًا بالآتي:
• بادري بصياغة
"مقترح خطة استراتيجية شاملة لتطوير قطاع الدعوة النسائية" وقدميها
لمجلس الإدارة مشفوعة بمؤشرات أداء وجداول تنفيذية احترافية؛ فالمقترحات المتقنة
تفرض احترامها وتبنيها.
• ركّزي في
تربيتك للداعيات الناشئات على غرس "روح المبادرة والشجاعة الأدبية المنضبطة
بالحكمة والوقار"، وتجاوز عقلية الانتظار والاتكالية الميدانية.
• احرصي على مد
جسور التعاون والتنسيق مع المؤسسات والجمعيات النسائية الأخرى لتبادل الخبرات
والاتفاق على مشاريع وطنية وحضارية مشتركة تخدم قضايا الأسرة والمرأة المسلمة.
وأسأل الله
العظيم، رب العرش الكريم، أن يمدكِ بعونه وتوفيقه، وأن يبارك في فكركِ وجهودكِ،
ويجعل على يديكِ نهضة حقيقية للعمل الدعوي النسائي، ويرزقكِ وأخواتكِ الداعيات
الإخلاص والقبول ورفعة الدرجات في الدنيا والآخرة.
روابط ذات صلة:
كيف تتمكن المرأة من صناعة القرار والتخطيط في المؤسسات الدعوية؟