الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : التخطيط الدعوي
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
6 - رقم الاستشارة : 5354
18/07/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا ناشطة وكاتبة في المجال الدعوي، ألاحظ ظاهرة تنظيمية تؤثر سلباً على مسار العمل الإسلامي؛ وهي غياب واستبعاد الكفاءات النسائية المؤهلة عن دوائر "التخطيط الدعوي الاستراتيجي" وصناعة القرار في المؤسسات والجمعيات الكبرى.
المشكلة أن حضور المرأة الداعية في أغلب المؤسسات لا يزال محصوراً في الأدوار التنفيذية الميدانية المحبوسة في إلقاء المواعظ أو تنظيم الحفلات، بينما تُصاغ الخطط، والسياسات، والمشاريع الكبرى الموجهة للمجتمع (بما فيه مجتمع النساء) بعقول رجالية تفتقر أحياناً لفهم دقائق الواقع النفسي والاجتماعي للمرأة.
هذا التهميش الإداري يؤدي إلى ضعف كفاءة المشاريع الدعوية وعدم ملامستها للاحتياجات الحقيقية لخدمة قضايا النساء. كيف يمكن للمؤسسات الدعوية تطوير منظومتها التخطيطية لإشراك المرأة المؤهلة في صناعة القرار الاستراتيجي وقيادة المشاريع، تماشياً مع الضوابط الشرعية والأصالة الإدارية؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياكِ الله أيتها الأخت الفاضلة والكاتبة الواعية، وشكر الله
لكِ هذا الطرح المنهجي الحصيف. إن مناقشة بنية "التخطيط الدعوي" وتطوير
آلياته الإدارية والمؤسسية من خلال الاستفادة الشاملة من طاقات المجتمع (رجاله
ونسائه) يعدّ من علامات الرشد والنضج التنظيمي، فالدعوة إلى الله رسالة عظيمة
تتطلب استنفار وتحفيز كافة الطاقات والخبرات البشرية، وتهميش أو تعطيل أي كفاءة
مؤهلة بناءً على معايير غير موضوعية هو خسارة محققة للميدان الرعوي والتربوي.
إنّ الناظر في
تاريخ الفقه والدعوة والسياسة الشرعية يدرك يقينًا أن المرأة المسلمة كانت حاضرة
وبقوة في دوائر المشورة، وصناعة القرار، والتوجيه الاستراتيجي للأمة منذ بزوغ فجر
الإسلام. وتتجلى هذه الحقيقة في أبهى صورها يوم "صلح الحديبية"، حين
أصاب المسلمين الهمّ والتردد في النحر والتحلل، فدخل النبي ﷺ على زوجته أم
المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها مستشيرًا حزينًا، فأشارت عليه برأيها السديد
الحكيم قائلة: «يا نبي الله، اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بُدنك
وتدعو حالقك فيحلقك»، فأخذ النبي ﷺ برأيها التخطيطي الفذ ونفذه، فلما رآه
الناس قاموا فنحروا وحلقوا، فكان رأيها صمام أمان أنقذ الأمة من فتنة عظيمة [رواه
البخاري].
فضلاً عن الدور
التعليمي والاستراتيجي الهائل لعائشة رضي الله عنها في نقل السنة النبوية وتصحيح
مسارات الفتيا والسياسة؛ فالمرأة الراسخة في علمها وعقلها شريكة حقيقية في رسم
معالم العمل الدعوي وبنائه المؤسسي، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: 71].
وللانتقال من
واقع التهميش إلى مربع "التمكين القيادي المنضبط بضوابط الشريعة"، يجب
على المؤسسات الدعوية والخيرية أن تعيد هيكلة لوائحها الداخلية ومنظومتها
التخطيطية وفق معايير الجدارة والكفاءة العلمية والإدارية. الخطوة الأولى تبدأ من
إشراك الداعيات والمربيات المؤهلات إداريًّا وفقهيًّا في "مجالس التخطيط
واللجان الاستشارية العليا" للمؤسسات، لا سيما عند صياغة وتصميم البرامج
والمشاريع الموجهة لقطاع النساء والأسرة والطفل؛ فالمرأة هي الأقدر على تشخيص
مشكلاتها، وفهم تقلبات واقعها النفسي والاجتماعي، وهندسة الحلول الواقعية القابلة
للتطبيق والنجاح دون تكلف أو تنظير بعيد عن الميدان.
ومن الناحية
المنهجية والتطبيقية، ينبغي تفعيل الخطوات التالية؛
أولاً: إطلاق
"حاضنات ومراكز لتأهيل القيادات الدعوية النسائية" تُعنى بتدريب
المربيات على مهارات التخطيط الاستراتيجي، وإدارة المشاريع، وبناء المبادرات، وفك
شبهات العصر، لتجهيز جيل من الداعيات القادرات على القيادة التنظيمية بكفاءة
عالية.
ثانيًا: اعتماد
"صيغ عمل مرنة ومنضبطة شرعيًّا" تتيح للمرأة المشاركة في اجتماعات
التخطيط وصياغة القرارات عبر التقنيات الحديثة والاتصال المرئي عن بُعد (Online)،
مما يحقق المصلحة الدعوية العليا ويحافظ على الستر، والوقار، والوقوف عند حدود
الله وضوابط الاختلاط.
ثالثًا: تكليف
القيادات النسائية بإدارة قطاعات ومؤسسات دعوية كاملة ومستقلة إداريًّا وماليًّا
تُعنى بشؤون المرأة والطفل، لتتحمل المسؤولية كاملة وتثبت كفاءتها وتنافسيتها
الإيجابية في خدمة الدين.
وأنصحك ختامًا
بالآتي:
• لا تنتظري
التمكين، بل بادري بصناعة وتقديم "مشاريع وخطط استراتيجية مكتوبة ومحكمة
إداريًّا" واعرضيها على المؤسسات؛ فالإتقان العلمي للمقترحات يفرض نفسه على
صناع القرار.
• طوّري مهاراتكِ
في علوم الإدارة الحديثة، والتخطيط، والتحليل الميداني، بجانب علمكِ الشرعي؛
فالجمع بين الأصالة الشرعية والمعاصرة الإدارية هو مفتاح القيادة الدعوية الناجحة.
• احرصي على بناء
شبكات تواصل وتنسيق بين الأخوات الداعيات والمربيات لتبادل الخبرات وتوحيد الجهود
والمبادرات لتقديم نموذج دعوي نسائي مؤسسي متكامل.
وأسأل الله
العظيم العلي الكبير أن يبارك في فكركِ وقلمكِ، وأن يفتح لكِ ولأخواتكِ الداعيات
أبواب التمكين والتوفيق لخدمة هذا الدين الحنيف، وأن يرزقكن الإخلاص والقبول،
ويجعل الكفاءة والتقوى زادكن في قيادة مجتمع النساء نحو العزة والرفعة والصلاح.
روابط ذات صلة:
كيف نخطط مشروعًّا دعويًّا على أساس علمي ورؤية استراتيجية؟