الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الأخلاق والمعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
18 - رقم الاستشارة : 6214
26/10/2026
السلام عليكم..
أنا موظفة بشركة، ومديري ملحد. أنا مرعوبة منه ومش عارفة كيف أتعامل معه، والسبب إني أول فترة تعييني بالشركة أخذت منه عقوبة قاسية وصعبة كثير، ومن يومها وأنا حذرة لأقصى درجة. بعرف إنه الخوف الزيادة غلط، بس غصب عني طبيعتي بخاف وما بدي مشاكل تقطع رزقي.
قبل فترة دخلت عليه عشان شغل، وكان قاعد بيشرب شيء. فجأة صار يضحك وقالي: ديري بالك، فكريش هاد خمرة ولا شي ثاني.. هاد عصير عادي!
أنا ارتبكت بس رديت عليه بسرعة وقلتله: أه طبعا. وفجأة وبدون مناسبة كمل حكي وقالي: حتى عندكم بالقرآن ما في آية صريحة بتحكي إن الخمرة حرام!
من شدة الخوف والفجعة اللي حسيت فيها بوقتها، طلعت من مكتبه وأنا ساكتة وما عرفت أحكي ولا حرف! خفت لو رديت عليه يعملي قصة كبيرة ويأذيني بشغلي مثل المرة الأولى. بس من وقتها وسكوتي هاد تاعبني؛ ضميري مأنبني لدرجة مش طبيعية إني ما دافعت عن ديني ولا عرفت أرد عليه بكلمة توقفه عند حده.
فهل هيك أنا بعتبر منافقة والعياذ بالله؟ مش المفروض المسلم يدافع عن دينه وعقيدته بكل موقف؟ وأنا للأسف ما قدرت وطلعت ساكتة، وهذا الشي تعبني نفسيًا.
أفيدوني جزاكم الله كل خير.
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أختي
الكريمة، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يربط على قلبك، وأن
يفرج كربك، وأن يرزقك طمأنينة النفس وانشراح الصدر، وأن يكفيك شر كل ذي شر،
وبعد...
هل
أنت منافقة؟
إن
الموقف الذي مررتِ به -أختي الكريمة- جمع بين صدمة مفاجئة وضغط نفسي شديد، نتيجة
رهبة هذا المدير وسطوته عليك، وتجاربك السابقة معه، واستغلاله موقعه وسلطته لبث
شبهاته الباطلة.
وبداية
أريد أن أطمئنك تمامًا، فلستِ منافقةً أبدًا. فالنفاق نوعان: نفاق اعتقادي؛ أي
إظهار الإسلام وإبطان الكفر. ونفاق عملي، وهو الذي يقصد صاحبه خداع المؤمنين
والتلاعب بالدين.
أما
ما حدث معك فهو خوف بشري طبيعي، وصدمة مفاجئة تحت وطأة التهديد السابق من مديرك،
والحرص على لقمة العيش. وقد أعذر الله -سبحانه وتعالى- من وقع في
محظور أو عجز عن مواجهة بسبب الإكراه أو الخوف الشديد، وقلبه مطمئن بالإيمان. وقد
حدث هذا مع الصحابي الجليل عمار بن ياسر رضي الله عنه حين عذَّبه المشركون ليتلفظ
بكلمة الكفر، ففعل تقيةً وقلبه مطمئن بالإيمان، فنزل فيه وفي أمثاله قول الله
تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106].
وسكوتك
في الموقف الذي حكيتِه لم يكن رضا بالباطل ولا إقرارًا لشبهة هذا المدير؛ بل كان
عجزًا مؤقتًا تفرضه حالة الصدمة والحرص المشروع على استمرار رزقك، وفرق شاسع بين
من يوافق الباطل عن رضا، وبين من يسكت عجزًا وتقيةً اتقاءً للشر والظلم.
الرد
على شبهة المدير بشأن تحريم الخمر
أما
ما ألقاه مديرك من شبهة، زعمًا منه أنه ليس في القرآن آية صريحة بتحريم الخمر، فهو
قول جاهل أو متعمِّد للتلبيس ومخالفة الحق.
فالقرآن
الكريم حسم قضية تحريم الخمر بآية قطعية الثبوت والدلالة لا تقبل التأويل ولا
الشك؛ إذ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا
الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ
الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90].
وأوجه
الدلالة في الآية قاطعة وواضحة لكل ذي عينين:
-
كلمة «إنما» تفيد الحصر والقصر والتأكيد.
-
وصفها بكلمة «رجس» التي تعني القذر والخبث والنجاسة المعنوية والحسية.
-
الأمر بـ «فاجتنبوه» هو أوكد صيغ التحريم في الشريعة الإسلامية، وهو أبلغ من مجرد
النهي العادي؛ لأنه يقتضي الابتعاد الشامل والاعتزال التام عن الشيء.
-
قرن الله -سبحانه- شربها بالشرك (الأنصاب والأزلام)، مما يدل على شناعتها وعظم
إثمها.
وتحريم
الخمر جاء متدرجًا بحكمة بالغة لترويض النفوس، وانتهى بهذه الآية القاطعة التي ما
إن سمعها الصحابة رضوان الله عليهم حتى أراقوا ما في أوعيتهم من خمر في سكك
المدينة فورًا، طاعةً لأمر الله تعالى.
بين
وجوب إنكار المنكر وحكمة اتقاء الأذى
تتساءلين:
«أليس المفروض بالمسلم أن يدافع عن دينه وعقيدته في كل موقف؟»، وأجيبك: نعم، إنكار
المنكر والغيرة على الدين أصل عظيم من أصول الإيمان؛ لكن الشريعة الحكيمة جعلت
لإنكار المنكر ضوابط ومراتب حسب الاستطاعة، وكذلك حسب المفسدة التي قد تترتب عليه.
وقد
وضع النبي ﷺ القاعدة الذهبية في مراتب التغيير حين قال: «من رأى منكم منكرًا
فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»
[رواه مسلم]. فحين يتعذَّر الإنكار باللسان خوفًا من مفسدة
أكبر أو بطش ظالم يقطع رزق الإنسان أو يؤذيه في بدنه وعرضه، فإن الانتقال إلى
الإنكار القلبي (وهو بغض المنكر وكراهته) هو المخرج الشرعي المعتبر عند العجز، ولا
إثم على المسلم في ذلك.
وسكوتك
في حضرة هذا المدير المستبد الذي سبق أن عاقبك بقسوة يدخل في باب العجز المؤقت
وحفظ النفس والرزق من بطش ظالم، فالشريعة لم تكلفنا بما لا نطيق، ودرء المفاسد
مقدم على جلب المصالح.
اقتراحات
لتجاوز الأزمة واستعادة السلام النفسي
لتخرجي
من هذه الدوامة النفسية، وتستعدي لأي موقف مستقبلي باتزان وثقة، إليك هذه الخطوات:
1-
توقفي عن جلد ذاتك: استغفري الله من هذا الهم، واعلمي أن الله
رحيم بعباده، ولا يكلف نفوسنا ما لا تطيق. فاطردي وساوس الشيطان بأنك منافقة،
فالمنافق يفرح بالكفر وأنتِ تبكين حزنًا وحرقةً على عدم قدرتك على الرد!
2-
ضعي حدودًا مهنية صارمة: اجعلي
التعامل مع مديرك مقتصرًا على حدود العمل والأوراق الرسمية فقط، دون أي مساحات
لأحاديث جانبية. وإن عاود فتح أي نقاش خارج العمل أو أثار شبهة، فأنهي الحوار
بهدوء وثبات بطريقة مهنية حاسمة، أو الابتسامة الصامتة وتغيير الموضوع لملف العمل
فورًا.
3-
تقوية الحصانة الإيمانية والعلمية: داومي على قراءة وردك اليومي من
القرآن والأذكار، واطلعي على بعض كتب العقيدة والرد على الشبهات باختصار، لتكوني
على بيَّنة من أمرك، فلا تهتز لك شعرة أمام أي شبهة واهية يلقيها جاهل أو معاند.
4-
تأمين بدائل والاحتياط الوظيفي: بما أن بيئة العمل هذه محفوفة
بالخوف والظلم والتعسف، فاحفظي حقوقك، وابدئي بهدوء في تطوير مهاراتك أو البحث عن
فرصة عمل أخرى صالحة ومريحة وآمنة، فمن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، ولن
تعدمي رزقًا كتبه الله لك في مكان أفضل بإذن
الله.
وختامًا
أختي الكريمة، اعلمي أن الله -سبحانه- هو العليم الخبير بما تخفي الصدور وما
تعانيه القلوب، فلا تحمِّلي نفسك فوق طاقتها، واجعلي من هذه التجربة درسًا في
حصانة القلب ووعي التعامل مع أمثال هؤلاء، دون أن تكسري نفسك أو تعرضيها للضرر.
فالمؤمن كيِّس فطن، يعرف كيف يحفظ دينه وكرامته بحكمة.
اللهم
يا مقلِّب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك، اللهم إنا نسألك راحة البال
وطمأنينة القلب، اللهم اكفنا شر كل ظالم وكل مستهزئ بما شئت وكيف شئت. اللهم ارزق
أختنا السائلة رزقًا حلالًا طيبًا مباركًا تبعدها به عن كل ضيق وحاجة، واشرح
صدرها، واعصم قلبها من الهم والحزن، وأعزَّها بدينها ولا تُذلَّها يا رب العالمين. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط
ذات صلة:
كيف نجدد آليات الحوار مع تيارات التشكيك المعاصرة؟
كيف نحاور الفئات المتأثرة بالإلحاد النفسي؟