الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
12 - رقم الاستشارة : 5411
25/07/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا طبيب وباحث في مقارنة الأديان، وأشرف على مركز متخصص لمحاورة المنحرفين فكريًّا والمتأثرين بموجات التشكيك والإلحاد الجديد بين أوساط طلاب الجامعات.
أتوجه إليكم بهذه الاستشارة لوجود أزمة حقيقية في "مناهج الدعوة ووسائلها" المتبعة من بعض الباحثين الشرعيين في التعامل مع هذه الفئات.
إن موجات التشكيك المعاصرة لم تعد تقتصر على الطرح الفلسفي الكلاسيكي القديم، بل أصبحت تتكئ بقوة على "استغلال النظريات العلمية التجريبية الحديثة" (كفيزياء الكم، والبيولوجيا التطويرية، وعلوم الدماغ الأعصاب) وخلطها بفرص الفلسفة المادية لتمرير إنكار الخالق والتشكيك في الوحي.
الأزمة تكمن في أن كثيرًا من المحاورين والدعاة يواجهون هؤلاء الطلاب بآليات ردود تراثية قديمة تجادل في مسائل منطقية وكلامية لم تعد تشغل بال الشاب المعاصر، أو يقعون في فخ "الإنكار والتكذيب السطحي للنظريات العلمية" دون فهم علمي تخصصي لها، مما يظهر الداعية بمظهر الجاهل بالعلوم الحديثة، ويزيد الشاب المستشكل قناعة بصحّة موقفه والنفور من المنهج الشرعي.
كيف يمكن تجديد وتطوير وسائل ومناهج المحاورة والدعوة مع المتأثرين بالتشكيك العلمي المعاصر؟
وكيف نبني جسورًا تجمع بين رصانة القطعيات الشرعية والإحاطة الكاملة بالعلوم التجريبية المعاصرة لتقديم حوار مقنع ومبدع؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، أهلاً بحكيمنا الفاضل وطبيبنا الباحث المسدد، وحيا الله روحك
العلمية والدعوية الراقية؛ فإنَّ هذا التحدّي الفكريّ الذي تفضلت بطرحه يمس صميم
العمل الدعوي الاستراتيجي المعاصر، ويحتاج يقينًا إلى عقول راسخة تجمع بين أصالة
النص الشرعي والإحاطة العميقة بالتحولات المعرفية والعلمية الحديثة، لحماية عقول
المسلمين وهداية الحائرين.
إنَّ المنهج
القرآني في محاورة المشككين وإقامة البراهين تميز بالأصالة، والعمق، ومخاطبة العقل
البشري بناءً على الآيات الكونية المشاهدة المحسوسة؛ فالقرآن الكريم لا يمنع من
البحث العلمي، بل يحث عليه ويدعو إلى السير في الأرض والنظر في بدايات الخلق
ومكونات الكون كطريق موصل للإيمان ب كمال الخالق وعظيم تدبيره، كما قال سبحانه
وتعالى في محكم التنزيل: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ
الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: 20]، وقال
جل وعلا: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ
يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53].
والمنهج النبوي
الشريف كان يتعامل مع كل سائل ومستشكل بحسب مفاتيحه العقلية والمعرفية؛ والخطاب
الدعوي الحواري اليوم إذا لم يتسلح بالإحاطة الدقيقة بالعلوم التجريبية الحديثة
وقواعد الفلسفة العلمية، فإنه سيفقد أهليته للتأثير، ويتحول الإنكار العفوي الجاهل
بالعلوم إلى مفسدة كبرى تصد الشباب عن سبيل الله، وتوهمهم بوجود تعارض متوهم بين
صحيح المنقول وصريح المعقول.
إن الواجب
المنهجي والدعوي يفرض الانتقال من عقلية "الدفاع الدفاعي الانفعالي" إلى
مربع "الهجوم الفكري المعرفي المنظم". إن النظريات العلمية التجريبية في
أصلها لا تتصادم مع وجود الخالق سبحانه، بل إن تفاصيلها الدقيقة تبهر العقول وتكشف
عن غاية الإتقان والصنع الإلهي؛ وإنما المشكلة تكمن في "القراءة الفلسفية
المادية التفسيرية" التي يفرضها بعض العلماء الملاحدة على تلك النظريات
وتمريرها للشباب كحقائق علمية قطعية.
والداعية
والمحاور الذكي هو الذي يمتلك القدرة على "الفصل التام بين الحقيقة العلمية
التجريبية وبين التفسير الفلسفي الإلحادي المقحم عليها"، ليوضح للشاب
المستشكل بأسلوب علمي رصين أن ذات الحقيقة العلمية التي يستدل بها على الإلحاد هي
في حقيقتها برهان ساطع يعمق الإيمان بوجود الخالق المبدع المنظم للكون وعوالمه.
ومن
الناحية المنهجية والتطبيقية لتطوير آليات الحوار في مركزكم المبارك، نوصي بتفعيل
الخطوات التالية:
أولاً: إعادة
هيكلة فريق المحاورة عبر تبني "مبدأ التخصص التكاملي الثنائي"؛ بحيث
تتشكل جلسات المحاورة العميقة من باحثين: باحث شرعي راسخ في أصول العقيدة وفقه
الحوار، وباحث علمي متخصص في ذات المجال المعرفي الذي تنبع منه الشبهة (كطبيب، أو
فيزيائي، أو عالم بيولوجيا مسلِم)؛ ليتحرك الحوار على أرضية علمية صلبة ومقنعة
للطرف الآخر.
ثانيًا: إطلاق
"برامج ومساقات تدريبية في فلسفة العلوم ونقد المادية" موجهة لطلبة
العلم والدعاة؛ لتعليمهم حدود العلم التجريبي، والفرق بين النظرية والحقيقة،
وكيفية تفكيك المغالطات المنطقية والعلمية بلغة معاصرة وهادئة.
ثالثًا: إنتاج
محتوى مرئي وبحثي تخصصي رصين ومبسط يبين "التوافق التام بين الإسلام والعلم
التجريبي"، ويستثمر الاكتشافات الحديثة في فيزياء الفلك والبيولوجيا الجزيئية
كأدلة براهين معاصرة لعمق الإيمان وعظمة التشريع الرباني.
وأنصحك
ختامًا بالآتي:
• رسّخ في نفوس
فريق المحاورة بالمركز أهمية الالتزام بالهدوء التام والرفق والإنصاف العلمي أثناء
الحوار، وتجنب السخرية أو التجهيل المجرد لآراء المستشكل؛ فاللين يفتح مغاليق
القلوب والعقول.
• ركّز في
حواراتك مع الشباب على تفكيك "المنطلق الفكري الأولي" للشبهة قبل الدخول
في تفاصيلها الجزئية، لتبين لهم بطلان الأسس الفلسفية التي قامت عليها فكرة إنكار
الدين.
• لا تتردد في
الاعتراف أمام السائل بعدم معرفتك بتفاصيل نازلة علمية معينة إن لم تكن مختصًّا
بها، وأرجئ الإجابة لحين مراجعة أهل الاختصاص؛ فالمصداقية والأمانة العلمية هي رأس
مال الداعية الناجح.
وأسأل الله
العظيم، رب العرش العظيم، أن يمدكم بعونه وتوفيقه، وأن يجري الحق والهدى على
ألسنتكم وأقلامكم، ويجعل مركزكم منارة علمية وحصنًا فكريًّا يحمي عقول الأجيال
ويهدي الحائرين، ويرزقكم الإخلاص والقبول في القول والعمل.
روابط ذات صلة:
ضوابط المناظرة وأدب الحوار مع الآخر
مهارات الحوار الدعوي مع "اللادينيين" والملحدين العرب