الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : الخطبة والعقد
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
153 - رقم الاستشارة : 4376
16/03/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا طالبة في سنتي الأخيرة في الجامعة. طوال اثنتين وعشرين سنة من عمري لم يتحرك قلبي لشخص معيّن، رغم أنني خُطِبت أكثر من مرة، لكن لم يكن هناك قبول في قلبي. والحمد لله أحاول قدر استطاعتي الالتزام بديني وتجنب الاختلاط.
في جامعتي كان هناك شاب أعرفه من بعيد؛ لم يحدث بيننا أي كلام مطلقًا، لكنه كان يلقي بعض المحاضرات، ويؤمّنا أحيانًا في الصلاة. وخلال سنة ونصف تقريبًا كنت ألاحظ أخلاقه وطريقته في التعامل.
عرفت أنه إمام لمسجد والجميع يشهد بطيبته وكذا, وأعترف بخطئي في أنني تابعته على وسائل التواصل الاجتماعي، وأسأل الله أن يغفر لي. لكن مما رأيت من ظاهره بدا لي إنسانًا صاحب دين وخلق، والله يعلم أن إعجابي به كان لهذا السبب.
كنت قد علمت أيضًا أنه يسعى للزواج. وفي تلك الفترة تقدم لي بعض الشباب، لكنني لم أستطع القبول، وبدأت أشعر ببداية تعلق في قلبي، فخشيت أن يكون هذا التعلق هو السبب في عدم قدرتي على قبول غيره. لذلك أردت أن أحسم الأمر. استشرت والدتي، فنصحتني أن أحاول معرفة موقفه. حاولت أن أجد وسيطًا بيننا فلم أجد، فاضطررت أن أراسله مباشرة عبر وسائل التواصل. وسألته بصراحة: إن كان يرى فيّ ما يدعو للزواج فليتفضل بمخاطبة والدي.
وقد أحببت أن أنقل رده كما هو حتى لا يكون هناك لبس. كان رده: “والله يا فلانة شكرًا لك. حقًا مشاعر القلب قد تحركت، لكن لا أريد أن أعطي وعودًا لست متأكدًا من الوفاء بها. حاليًا عندي بعض العراقيل، منها إتمام الخدمة الوطنية قبل التفكير في الزواج. ولا أريد أن أعلّقك، فأخاف أن يخوننا القدر فأكون قد ضيعت وقتك، في حين قد يأتيك من هو أفضل مني. وأنا لا أحب إطالة فترة الخطوبة. كما أن هناك شخصًا سألني عنك مؤخرًا، فلعله إن تقدم لك يعجبك أكثر، والحديث يقول: لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه. وبالمناسبة أنتِ شخص أقدره كثيرًا وأحترمه، وأسأل الله أن يرزقك الزوج الصالح النقي التقي.” انتهى كلامه.
تقبلت الأمر في حينه، لكنني لم أعرف ماذا أقول، فسألته عن هذا الشخص — رغم أنني أعرف من هو — وكنت في الحقيقة لا أشعر بارتياح تجاهه. لكنه اعتذر وقال إن هذا أمانة ولا يستطيع إخباري.
مرت الآن خمسة أشهر على هذه الحادثة. وخلال هذه الفترة لا أدري لماذا لا يزال في قلبي شعور بأن الأمر ربما لم يكن رفضًا قاطعًا. ربما هو فعلًا غير جاهز الآن، وربما لا يريد التقدم لأن صديقه مهتم بالأمر… وكثرت الأسئلة والوساوس في نفسي. والله يشهد أنني أحببته لدينه وخلقه، ولا يزال هذا الشعور في قلبي ولم أستطع نسيانه.
أنا لا أقول إنني أريد بالضرورة أن يتم الأمر بيننا، لكن على الأقل أريد أن يُحسم الموضوع نهائيًا حتى أستطيع أن أغلق هذا الباب في قلبي. وقد وكلت أمري إلى الله، ودعوته إن كان في هذا الأمر خير أن ييسره لي، وإن كان فيه شر أن يصرفه عني ويطفئ هذا الشعور من قلبي.
ومؤخرًا تقدم لي شخص آخر لا أعيب عليه دينًا ولا خلقًا، لكنني لم أستطع تقبله أيضًا لنفس السبب. وأخشى أن يستمر هذا الحال. فكرت أن أراسله مرة أخرى، لأوضح له سبب تصرفي في المرة الأولى، لأنني أشعر أنني ربما لم أوضح نفسي جيدًا، وربما بدا وكأنني أبحث عن الزواج عمومًا، بينما كان مقصدي في الحقيقة أن أسأل عن إمكانية الزواج منه تحديدًا.
كما أفكر أن أطلب منه أن يحسم الأمر بوضوح، لأن هذا الموضوع أتعبني نفسيًا. والله المستعان. فما رأيكم في ذلك؟ وهل ترون أن مراسلته مرة أخرى صواب؟ وما نصيحتكم لي؟
جزاكم الله خيرًا وبارك فيكم وفي علمكم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك -ابنتي الكريمة- في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية..
فخورة بك -يا ابنتي- وبعقلك الراجح وخلقك الرفيع وطريقتك في إدارة حياتك، حتى إعجابك بهذا الشاب كان المحرك له خلقه ودينه وسمعته الطيبة.. أعجبني أسلوبك في الاستشارة الذي يدل على رجاحة عقلك.
في المرة الأولى عندما استشرت والدتك أشارت عليك بما يحسم الشك في قلبك، والحقيقة أن رده كان واضحًا، وكان من المفترض أن يحسم هذا الشك فهو اعتذر بطريقة بالغة التهذيب، وما تظنين أنه احتمال قائم ليس كذلك.
تحليل رسالته
هذا الشاب يحترمك للغاية، وهذا واضح من الأسلوب الذي كتب به رسالته، وفي الحقيقة أنت فتاة أهل لكل احترام، لكنه يرفض عرضك -يا ابنتي- ولم يكن أمامه إلا هذا الرد الدبلوماسي، ولو أرسل أحدهم لي رسالة يطلب ردًّا يعتذر لفتاة عن رفضه عرض الزواج منها لم أكن لأكتب له إلا هذا الرد.
هو لم يقدم أي وعد.. لم يحدد أي مدة، فلو أنه كان يرغب في الزواج حقًّا لقال إنه يشرفني أن أتقدم لك بعد إنهائي الخدمة الوطنية.
كان من الممكن أن يتقدم ويطيل فترة الخطوبة، فليس في ذلك ما يعيب ولكنه يضمن له أن فتاته لن تخطب لغيره، وهو أيضًا نسف هذا الاحتمال بحجة أنه لا يحب إطالة فترة الخطوبة.
من يرغب في فتاة لا يحدثها عن خاطب آخر، وهذ هو الدليل الأكبر أنه يرفض عرضك.. هذا الآخر لم يتقدم بالفعل حتى يكون خطبة فوق خطبة.. حتى لو كان تقدم فلا إثم من تقدمه هو الآخر طالما أنك لم توافقي بشكل صريح على الآخر.. هو فقط يعدد الأعذار والحجج حتى يتلافى الرفض المباشر الذي قد يجرحك.
وبالتالي فأي رسالة جديدة منك قد تنتقص منك، وقد يضطر لحديث أكثر صراحة قد يجرحك، فلا داعي لهذه الرسالة الجديدة.
أنت تريدين أن تحسمي الأمر، وهو قد حسمه بالفعل من الرسالة الأولى، وما تتصورين أنه احتمال قائم هو نتيجة تعلقك الأحادي بهذا الشاب.. أنا أعلم أن هناك سؤالاً آخر يدور في ذهنك ولماذا يرفضني إذن؟
والحقيقة أن هناك أكثر من احتمال للرفض، فهناك العراقيل التي تحدث عنها ولم يذكر منها إلا الخدمة الوطنية، ومن حقه ألا يشرح لك هذه العراقيل التي يعلم أنها لن تجعله يستطيع الزواج عمومًا في هذه الفترة.
وقد يكون لديه مخطط للزواج بأخرى؛ لذلك سمعت أنه يسعى للزواج، وهذه الأخرى ليست أفضل منك، ولكن هناك حسابات خاصة لدى كل شخص يريد الزواج، وليس كل صاحب خلق ودين يصلح لكل صاحبة خلق ودين.. عمومًا وأيًّا كان التفسير فهذا الشاب قد أغلق الباب حقيقة، وهذا هو الموقف الذي ينبغي أن تبني عليه حساباتك أنت أيضًا.
الصورة الذهنية
ابنتي الغالية، في البداية أنت أعجبت بهذا الشاب بسبب خلقه ودينه، ولكن بعد ذلك قام عقلك برسم صورة ذهنية متكاملة له وقمت أنت بتعلق أحادي بهذه الصورة الذهنية المتخيلة، إنها ليست شخصيته الحقيقية التي لا تعرفين عنها شيئًا.. هذا الشاب ليس هو من يلقي المحاضرات فقط.. هذا الشاب ليس من يؤم المصلين فقط، هذا الشاب له تفاصيل حياتية عادية جدًّا لا تعرفين عنها شيئا ولم تفكري فيها..
عقلك رسم له صورة خيالية كأنه أحد الصحابة مثلا أو كأنه شاب نادر لا يوجد مثله، وأنت تعلقت بالصورة وليس بالحقيقة، أنا لا أقصد نقده أو ذمه، بل أريد تفكيك هذه الصورة الذهنية، وبالتالي ففض التعلق بهذه الصورة التي أضفى عليها الخيال الكثير أكثر يسرًا من فض التعلق العاطفي الحقيقي لشخص كان يربطك به تفاصيل وتفاعلات.
أنا لن أقول لك نصائح تقليدية مثل أن الزمن سينسيك إياه ومثل هذه الأمور، بل سأقول أغلقي هذه القصة معرفيًّا.. هذا الإغلاق سيقوم بإطفائها في قلبك.. أنت أبديت رغبتك في الزواج منه بشكل واضح ونية سليمة وهو رفض بطريقة مهذبة مع إبداء الاحترام ودون وعد مؤجل بأي شيء، وبالتالي فالموضوع أغلق بالفعل..
هذه الرواية البسيطة لما حدث ستريح عقلك الذي أرهقه كثرة التفكير في الاحتمالات الممكنة لكلامه وستريح قلبك الذي تعلق بالصورة الذهنية المثالية التي منحها العقل مشروعية الاحتمال، وبالتالي فهو لا يتقبل أن يفكر في شخص آخر.. حتى لو كان هذا الآخر لا غبار على دينه أو خلقه؛ لأن هناك حاجزًا نفسيًّا أحاط نفسه به.
خطوات لفك التعلق
ابنتي الكريمة، في السطور القادمة ساضع لك مفاتيح مهمة تساعدك في التخلص من هذا التعلق الأحادي، وأنا واثقة أنك قادرة على استخدامها جيدًا، من ذلك:
ـ فككي الصورة الذهنية المثالية؛ لأن هناك صورة متخيلة مثالية لن يصمد أي خاطب عندما يقارن بها.. هذا الشاب مجرد زميل متدين وبفضل الله يوجد الكثير من الشباب الملتزمين.. وعيك أنك أنت من وضعه في إطار معين سيساعدك على رفع هذا الإطار عن الصورة.
لقد أسقطت على هذا الشاب كل الصفات الجميلة التي تتمنينها في زوج المستقبل دون أن تعرفي عنه غير الخطوط العريضة، فقومي بتفكيك هذه المثالية التي أحطته بها لأن صورته الحقيقية غير مكتملة، وبالتالي أخرجي الصورة من الإطار المثالي الاستثنائي لإطار عادي واقعي.
ـ أغلقي دائرة الاحتمال التي تعلقت بها لمدة 5 شهور؛ لأن الاحتمال غير المحسوم له تأثير سلبي على حياتك.
ـ قومي باستعادة طاقتك النفسية والعاطفية، ليس من خلال خطبة جديدة فورية، بل بالاهتمام بحياتك وعائلتك والأنشطة التي تنتوين القيام بها بعد التخرج؛ فأنت بحاجة لبعض الوقت حتى يحدث انطفاء تدريجي آمن.
ـ ساعدي نفسك على استعادة هذه الطاقة من خلال إلغاء المتابعة له على جميع منصات التواصل وحذف رسالته التي أرسلها لك وعدم تتبع أخباره نهائيًّا.
ـ هذا الشخص بعد فترة من تفكيك صورته الذهنية التي صنعتها والاندماج في حياتك سيتحول لمجرد ذكرى عابرة لحدث في حياتك، وعندما تصلين لهذه المرحلة تكونين مهيأة تمامًا لتقييم أي خاطب يتقدم لك.
ـ استعيني بالله تعالى واسأليه دائمًا أن يطهر قلبك ويرزقك زوجًا صالحًا تقر عينك به.. أسعد الله قلبك يا ابنتي، ولا تترددي في الكتابة لنا مرة أخرى، وثقي أننا سوف ننصت لكل كلمة منك.
روابط ذات صلة:
.زميلي في العملي عجبني.. هل أعرض نفسي عليه؟