الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
31 - رقم الاستشارة : 5274
08/07/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أريد من فضيلتكم تفصيل أحكام صلاة الحاجة، مشروعيتها وآدابها، وأحكامها، واختلاف المذاهب حولها، والدعاء المأثور فيها، وأسبابها، وفضلها وغير ذلك مما ورد في كتب الفقه حول هذه السنة النبوية.
وجزاكم الله خيرا.
الحمد لله، وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن من محاسن
الشريعة الإسلامية ومظاهر رحمتها بالخلق، أن جعلت للعبد صلة مباشرة بخالقه لا
واسطة فيها، يلوذ بحماه كلما حزبته الأمور وضاقت عليه أسباب الأرض، وقد شرع الله
عز وجل الصلاة والذكر كأعظم وسائل الاستعانة؛ فقال سبحانه: {وَاسْتَعِينُوا
بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45]. ومن الأمور المشروعة التي تواترت عليها
الرغبة واستقرت عليها حاجة النفوس "صلاة الحاجة"، وهي مظهر عملي
للعبودية والافتقار إلى الله تعالى وتفويض الأمر إليه ليقضي للمرء ما عجزت عنه
أسبابه وقدرته.
اختصارًا:
صلاة الحاجة مستحبة ومشروعة عند جماهير الفقهاء من
المذاهب الأربعة، لورود أحاديث وآثار يشد بعضها بعضًا.
وسببها عروض أي حاجة دنيوية أو أخروية للمسلم، يطلب فيها
العون والتوفيق، أو كشف الكرب من الله تعالى.
وتُصلى ركعتين كصلاة النفل المعتادة من غير الفريضة،
يقرأ فيهما بالفاتحة وما تيسر من القرآن، ثم يثني على الله تعالى ويصلي على النبي
ﷺ، ثم يدعو بالأدعية الواردة.
ويجوز فيها الدعاء بالوارد من الأحاديث، كما يجوز الدعاء
بكل ما يفتقر إليه العبد من حاجات مشروعة، ويكون الدعاء بعد السلام وهو الأظهر أو
قبله في السجود والتشهد.
ومن فضلها نيل القرب من الله، وتحقيق التوكل عليه،
وامتثال السنة، ورجاء إجابة الدعاء وكشف الكروب.
وتفصيلاً:
أولاً: التعريف
في اللغة: الصلاة
هي الدعاء والابتهال. والحاجة هي المقصد والشيء الذي يفتقر إليه الإنسان ويطلب
تحصيله.
في الاصطلاح الفقهي: هي صلاة نافلة مخصوصة، يتقرب بها العبد إلى الله تعالى ركعتين أو
أكثر، يعقبها دعاء مخصوص أو مطلق، بنية قضاء حاجة معينة أو دفع كرب ألمّ به.
ثانيًا: أسماؤها
عُرفت هذه الصلاة في مدونات الفقه والحديث بعدة أسماء
تشير إلى معناها:
صلاة الحاجة: وهو الاسم الأشهر الأعم، وسميت به لأن الباعث عليها هو طلب قضاء
الحاجات.
صلاة التفويض والافتقار: لكونها تمثل غاية اللجوء والتبرؤ من الحول والقوة الشخصية إلى حول
الله وقوته.
صلاة كشف الكرب: لأنها تُشرع عند الشدائد والهموم والملمّات العظيمة لتفريجها.
مشروعية صلاة الحاجة وأدلتها
اتفق جماهير العلماء على مشروعية صلاة الحاجة في الجملة،
واستدلوا بأدلة من الكتاب والسنة والآثار:
من القرآن الكريم:
قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}
[البقرة: 153]. وجه الدلالة: أن الأمر بالاستعانة بالصلاة مطلق، فيدخل فيه الصلاة
عند عروض أي حاجة أو شدة.
من السنة النبوية:
حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما قال: قال رسول
الله ﷺ:
"مَنْ كَانَتْ لَهُ إِلَى اللَّهِ حَاجَةٌ أَوْ
إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ فَلْيُحْسِنِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ
لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لِيُثْنِ عَلَى اللَّهِ، وَلْيُصَلِّ عَلَى
النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ لْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ،
سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ..." رواه الترمذي وابن ماجه.
[ملاحظة: الحديث في سنده مقال فايد بن عبد الرحمن ضعيف، لكن الفقهاء عملوا به
واعتضد بغيره].
حديث عثمان بن حنيف رضي الله عنه:
"أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ
ﷺ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي، فَقَالَ: «إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ،
وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قَالَ: فادْعُهُ، قَالَ: فَأَمَرَهُ
أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ، وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ:
«اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ
نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي
حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِي، اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ، وَشَفِّعْنِي فِيهِ»،
قَالَ: فَفَعَلَ الرَّجُلُ فَبَرَأَ".... رواه الترمذي وصححه، وأحمد،
والحاكم.
فعل النبي ﷺ الدائم: عن حذيفة رضي الله عنه قال: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا حَزَبَهُ
أَمْرٌ صَلَّى" رواه أحمد وأبو داود وحسنه الألباني. ومعنى حزبه: أي نزل به
أمر شديد أو همّ أو حاجة.
3. اختلافات المذاهب الفقهية وتوجيهاتهم
اتفق أصحاب المذاهب الأربعة على استحباب صلاة الحاجة،
ولهم في تفصيلاتها وتوجيهاتها مسالك واضحة:
المذهب الحنفي: يرى الحنفية أن صلاة الحاجة مستحبة، والصفة المعتمدة عندهم هي أربع
ركعات تُصلى بعد العشاء وقيل ركعتان. وذكروا في كيفيتها المأثورة أن يقرأ المصلي
في الركعة الأولى الفاتحة وآية الكرسي ثلاث مرات، وفي الركعات الثلاث الباقية يقرأ
الفاتحة وسور الإخلاص والفلق والناس، مستندين في ذلك إلى آثار مروية عن ابن مسعود
رضي الله عنه.
المذهب المالكي: يقرر المالكية استحباب هذه الصلاة، ويرون أنها ركعتان يقرأ فيهما بما
تيسر من غير الفريضة، ويؤكدون أن موضع الثناء والدعاء المأثور بالحاجة يكون بعد
الفراغ من الصلاة تمامًا والتحلل منها بالسلام.
المذهب الشافعي: نص الشافعية كما قرره الإمام النووي في كتابي المجموع والأذكار على
استحباب صلاة الحاجة، وهي عندهم ركعتان نافلتان يشرع المسلم فيهما بنية نيل
الحاجة، وتجري عليها أحكام سائر النوافل في القراءة والركوع والسجود.
المذهب الحنبلي: يذهب الحنابلة كما يذكر الإمام ابن قدامة في المغني إلى القول
باستحبابها، وهي لديهم ركعتان يسبقهما وضوء حسن سابغ، ويعقبهما التوجه إلى الله
تعالى بالدعاء المأثور في الأحاديث كحديث عثمان بن حنيف أو حديث ابن أبي أوفى.
أما من حيث توجيه المحققين من العلماء المعاصرين: فقد
ذهب بعضهم كالشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين رحمهم الله إلى أن الأحاديث المرفوعة
التي تحدد صلاة مسماة بـ "صلاة الحاجة" بصفة دعاء مخصوص لم تسلم
أسانيدها من الضعف، غير أنهم أكدوا أن أصل الفكرة ثابت شرعًا بسنة النبي ﷺ
الفعلية؛ فكل من نزلت به شدة أو كرب فقام ليتوضأ ويصلي ركعتين يدعو الله فيهما،
فقد امتثل أصل السنة وأصاب الحق.
طريقة أدائها بالتفصيل والخطوات
تُؤدى صلاة الحاجة عند جمهور الفقهاء ركعتين متتاليتين،
وذلك عبر الخطوات الترتيبية المتتابعة:
إحسان الوضوء: وهي خطوة بمثابة شرط الصحة والتهيؤ، حيث يتوضأ المسلم وضوءًا كاملاً
مستحضرًا نية التقرب إلى الله وإسباغ الوضوء على المكاره.
النية وصلاة الركعتين: وهو أصل الصلاة، حيث ينوي العبد بقلبه أداء صلاة الحاجة أو ركعتين
يستعين بهما على تحقيق مقصوده، ثم يصلي ركعتين يقرأ في كل ركعة منهما الفاتحة وما
تيسر له من القرآن الكريم.
الثناء على الله والصلاة على النبي: وهو مفتاح الإجابة، فبعد الفراغ من الصلاة أو في
السجود والتشهد الأخير، يشرع المصلي في الحمد والثناء العظيم على الله بأسمائه
وصفاته، ثم يصلي على النبي ﷺ بالصيغة الإبراهيمية.
الدعاء بالحاجة: وهو مقصود الصلاة النهائي، حيث يدعو بالدعاء المأثور الوارد صيغه أدناه،
ثم يذكر حاجته بعينها ويسميها تضرعًا، ويسأل الله الإجابة بيقين وإلحاح.
الأدعية الواردة في صلاة الحاجة
جاءت في السُّنة النبوية عدة صيغ وأدعية، أشهرها صيغتان:
الصيغة الأولى حديث عبد الله بن أبي أوفى:
"لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ،
سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ، أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ،
وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، لَا تَدَعْ
لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ، وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ، وَلَا حَاجَةً
هِيَ لَكَ رِضًا إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ".
الصيغة الثانية حديث عثمان بن حنيف - دعاء الأعمى:
"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ
إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي
أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِي، اللَّهُمَّ
فَشَفِّعْهُ فِيَّ".
وذكر بعض الفقهاء أن قول "يا محمد" في الدعاء
كان في حياة النبي ﷺ بحضرته، أما بعد وفاته فالأولى والأحوط العبادة بصيغة:
"اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة أن تقضي حاجتي..." دون
نداء الميت.
فضل صلاة الحاجة وآدابها
أولاً: الفضل والأثر النفسي والشرعي
تحقيق عبودية الاضطرار: وهي أرفع مقامات العبادة وأقربها إجابة، قال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ
الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل: 62].
راحة النفس وطمأنينة القلب: الصلاة تفرغ الشحنات السلبية والهموم الأرضية، وتصل العبد بالقدرة
الإلهية المطلقة التي لا يعجزها شيء.
إصابة السنة العملية: اتباع هدي النبي ﷺ وسيرته، حيث كان يهرع مبادرًا إلى الصلاة والوقوف
بين يدي الله فور نزول الملمات والخطوب الكبيرة به.
ثانياً: آداب مهمة لقبولها
تحري أوقات الإجابة وتجنب أوقات الكراهة: فينبغي الابتعاد عن أوقات النهي الخمسة المعروفة
كالتطوع بعد العصر حتى مغيب الشمس، أو بعد الفجر حتى تطلع الشمس، مع تفضيل أدائها
في جوف الليل الآخر وقت التنزل الإلهي.
اليقين بعدم استعجال الإجابة: التزامًا بنص الحديث النبوي الشريف:
"يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ"، فيظل العبد راجيًا منشرح
الصدر.
مشروعية الحاجة ونزاهتها: أن يدور المقصد المراد تحصيله في دائرة المباحات والخيرات، وألا تكون
الحاجة منطوية على إثم، أو معصية، أو قطيعة رحم. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة:
سر النجاح.. 10 ثمرات عظيمة للثقة في توفيق الله