الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
24 - رقم الاستشارة : 4923
24/05/2026
في حج التمتع، إذا اعتمرت ثم اضطررت للخروج من مكة لعمل في جدة قبل الحج، هل ينقطع تمتعي ويلزمني إحرام جديد من الميقات؟"
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً
وسهلاً ومرحبًا بكم أخي العزيز، وتقبل الله منك عمرتك، ويسّر لك حجك، وبارك لك في
عملك ووقتك. هذه المسألة من المسائل الواقعة بكثرة للحجاج الذين لديهم التزامات
عمل أو أقارب في المدن القريبة من مكة المكرمة كجدة والطائف.
اختصارًا:
خروجك
من مكة المكرمة إلى جدة لإنجاز عملك بعد الفراغ من العمرة وقبل الشروع في مناسك
الحج لا يقطع تمتعك ولا يبطله على الراجح والمفتَى به عند جماهير العلماء والمفتين
المعاصرين. بناءً على ذلك، تظل متمتعًا ويلزمك هدي التمتع ذبح شاة، وتُحرم بالحج
من مكانك الذي أنت فيه سواء أحرمت من جدة في طريق عودتك أو أحرمت بعد عودتك إلى
مكة في يوم التروية الثامن من ذي الحجة، ولا يلزمك إحرام جديد بالعمرة ولا العودة
إلى ميقاتك الأصلي لأن جدة تقع داخل المواقيت من الحلّ.
وتفصيلاً: اختلف
الفقهاء في المسافة والجهة التي إذا سافر إليها المتمتع ينقطع تمتعه، وتفصيل نقل
مذاهبهم في خروجك إلى جدة كالآتي:
1.
المذهب الحنفي
يرى
الحنفية أن التمتع لا ينقطع ولا يبطل بخروج المتمتع إلى جدة أو غيرها من مناطق
الحلّ، وإنما يبطل التمتع بحالة واحدة تسمى الإلمام الصحيح، وهو أن يعود المتمتع
إلى بلده وأهله عودًا كاملاً يفصل بين النسكين. وبما أن جدة ليست بلد إقامتك
الأصلي وإنما خرجت لها لعمل عارض، فتمتعك باقٍ يقينًا عندهم.
جاء
في البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم: "لَوْ خَرَجَ
الْمُتَمَتِّعُ إلَى الْحِلِّ لِحَاجَةٍ لَا يَبْطُلُ تَمَتُّعُهُ؛ لِأَنَّ
الْحِلَّ تَبَعٌ لِلْحَرَمِ فِي حَقِّ الْمَوَاقِيتِ، فَلَا يَكُونُ خُرُوجُهُ
إلَيْهِ إبْطَالًا لِسَفَرِ التَّمَتُّعِ، وَإِنَّمَا يُبْطِلُهُ الْإِلْمَامُ
بِأَهْلِهِ".
2.
المذهب الشافعي
يشترط
الشافعية لصحة التمتع وألا ينقطع: ألا يعود المحرم بين العمرة والحج إلى مسافة
تساوي مسافة ميقاته أو أبعد منها، أو يعود إلى بلده. وحيث إن جدة تقع دون المواقيت
أي بين مكة والميقات، فإن الخروج إليها لحاجة وعمل لا يقطع التمتع، وتعتبر كأنك لم
تغادر النطاق الجغرافي المسموح به للمتمتع.
جاء
في مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للشربيني: "وَشَرْطُ
التَّمَتُّعِ... أَنْ لَا يَعُودَ لِبَلَدِهِ وَلَا لِمِثْلِ مَسَافَةِ مِيقَاتِهِ
بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، فَإِنْ خَرَجَ دُونَ ذَلِكَ لَمْ يَنْقَطِعْ
تَمَتُّعُهُ لِقُرْبِ الْمَسَافَةِ".
3.
المذهب الحنبلي
المشهور
عند الحنابلة أن المتمتع إذا سافر بين العمرة والحج مسافة قصر نحو 80 كيلومترًا،
فإن تمتعه ينقطع بشرط أن يعود محرمًا بحج مفرد أو عمرة جديدة. ولكنّ محققي المذهب
والفقهاء المعاصرين قرروا أن جدة لا تقطع التمتع لسببين: الأول أنها دون الميقات،
والثاني أن المسلم لو أحرم بالحج من جدة نفسها أو عاد إلى مكة فأحرم منها، فإنه
يظل متمتعًا حكمًا لأن سفره لجدة لم يكن لإنشاء سفر جديد مستقل يقطعه عن حجه.
جاء
في كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي: "وَإِنْ سَافَرَ
الْمُتَمَتِّعُ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ مَسَافَةَ قَصْرٍ... بَطَلَ
التَّمَتُّعُ، إلَّا أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي
سَافَرَ إلَيْهِ أَوْ مِنْ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى بَلَدِهِ".
4.
فتاوى العلماء المعاصرين واللجنة الدائمة
بناءً
على التوسع العمراني المعاصر وقرب المسافة واحتياج الناس، استقرت فتوى اللجنة
الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على تيسير هذا الأمر للحجاج.
جاء
في فتاوى اللجنة الدائمة المجموعة الأولى، 11/ 367: "إذا فرغ المتمتع من
عمرته، وجاز له التحلل، ثم خرج إلى جدة أو الطائف لحاجة، ثم عاد محرمًا بالحج في
عامه، فإنه لا يزال متمتعًا، وعليه هدي التمتع، ولا ينتقض تمتعه بخروجه إلى جدة أو
الطائف؛ لأن ذلك الخروج عارض ولحاجة، وهو دون المواقيت".
وبالتالي
فحينما ينتهي عملك في جدة ويأتي يوم التروية الثامن من ذي الحجة، اغتسل وتطيب في
مكانك بجدة، ثم البس ملابس الإحرام وانوِ الحج قائلًا: "لبيك اللهم حجًّا"،
وانطلق إلى مناسك الحج مباشرة، وعليك هدي التمتع يُذبح في مكة خلال أيام العيد، وحجتك
صحيحة وتامة إن شاء الله. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
داهمني الحيض قبل طواف عمرة التمتع.. فكيف أُتِمُّ المناسك؟