الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
121 - رقم الاستشارة : 3905
21/01/2026
أنا زوجة لأحد المشايخ والدعاة المعروفين عندنا في بلدنا، ممن يظهرون عبر وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات، وكان زوجي محل تقدير واحترام كبيرين في نفسـي قبل غيري، لما كنت أراه عليه من خطاب دعوي مؤثر، وصورة عامة توحي بالالتزام والاستقامة.
غير أنني فوجئت مؤخرًا باكتشاف صادم هزّ كياني وكيان أسرتي، حيث علمت أن زوجي على علاقة محرمة بامرأة أخرى متزوجة، يتواصل معها سرًّا، ويخون زوجها، ويخونني أنا زوجته، ويخون قبل ذلك الرسالة التي يتصدر للدعوة إليها.
عندما واجهته بالأمر أنكر مرارًا، ثم اعترف بعد محاولات طويلة، وتبيّن لي أنه كان يتعمّد الكذب والمراوغة، ويُحسن إخفاء حقيقته خلف صورة دعوية جذابة، ومقاطع إعلامية تستميل الناس وتخدعهم.
أنا الآن زوجته، ولي منه أبناء وبنات، وأعيش حالة صدمة نفسية وأخلاقية ودينية، ولا أدري كيف أتعامل مع هذا الواقع المؤلم: كيف أتعامل معه زوجيًّا وإنسانيًّا؟ وما هو الموقف الشرعي الصحيح مما فعل؟ وكيف أحفظ نفسي وأبنائي من آثار هذه الخيانة؟ وهل بقائي معه جائز شرعًا؟ وأين يقف الصبر المشـروع، وأين يبدأ الضرر الذي لا يُحتمل؟
الأخت السائلة الكريمة، سؤالك حيّرني كثيرا، كيف أوازن بين الرد على سؤالك والحفاظ على قيمة الدعوة في حياة الناس، وهذه استشارة تمسّ عمق البيوت الدعوية، وتكشف عن إشكال خطير حين تنفصل الصورة الظاهرة عن الحقيقة الباطنة، وهي تحتاج إلى جواب يجمع بين الحكم الشـرعي، والبصيرة التربوية، والفهم الإنساني، دون تبرير للخطأ، ولا قسوة على المبتلى..
اسمحي لي في البداية نعلن أن ما وقع من زوجك -كما ورد في استشارتك وعلى صدق ما قلتِ سامحيني- ذنب عظيم وخطيئة مركبة، لا يجوز شرعًا تمييعها ولا تغليفها بالشعارات.
فهو أولًا علاقة محرمة نهى الله عنها بنص صريح فقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، والنهي هنا يشمل كل طرق الاقتراب والمقدمات قبل الوقوع في الفعل نفسه.
وهو ثانيًا خيانة زوجية تناقض معنى الميثاق الغليظ الذي جعله الله أساس العلاقة بين الزوجين، وقد قال النبي ﷺ: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقوت».
وهو ثالثًا خيانة للأمانة الدعوية، فالداعية ليس فردًا عاديًّا؛ بل قدوة، وإذا فسدت سريرته سقط أثر كلمته، وقد قال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾.
وهو رابعًا إفساد لبيت آخر؛ لأن العلاقة بامرأة متزوجة تدخل في باب التخبيب الذي قال فيه النبي ﷺ: «ليس منا من خبّب امرأة على زوجها»، وهو من كبائر الذنوب عند أهل العلم.
ومن المهم أن نقرر هنا بوضوح أن خطيئة الزوج، مهما عظمت، لا تُنسب إليكِ ولا تُحمّلين وزرها، فالله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، ولا يصح شرعًا ولا أخلاقيًّا أن يُطلب منكِ الصبر بمعناه المشوَّه الذي يُلغي كرامتك أو يُحوّلك إلى شريكة صامتة في الإثم.
إنّ التعامل الصحيح مع زوجك لا يكون بتجاهل ما حدث ولا بإعادة العلاقة إلى سابق عهدها كأنَّ شيئًا لم يكن؛ لأن هذا تطبيع مع الخيانة لا عفوًا مشـروعًا، وإنما يكون بوضع الأمور في نصابها الشـرعي؛ فالتوبة الصادقة التي يُبنى عليها أي قرار ليست كلمات تُقال؛ بل لها شروط معروفة عند أهل العلم:
الإقلاع التام عن الذنب، والندم الصادق، وقطع كل وسيلة تؤدي إليه، وردّ الحقوق المعنوية، والاستعداد لتحمّل تبعات الخطأ، وقد قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾، فالتوبة تُختبر بالأفعال لا بالشعارات.
أما بقاؤك معه أو مفارقته، فالشـرع لم يُلزمك بأحد الخيارين، بل جعل الأمر راجعًا إلى قدرتِك على الاحتمال، وتحقيق مقاصد الزواج من السكن والأمان، فإن تحققت توبة حقيقية، وتغيّر سلوك ملموس، وخضع للمحاسبة، وعاد الشعور بالأمان بعد زمن معتبر، جاز لكِ الاستمرار من باب الإصلاح، أما إذا استمر الكذب، أو تكررت الخيانة، أو بقي الضـرر النفسي والأخلاقي قائمًا، فإن قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» تفتح لكِ باب المفارقة دون إثم.
وفيما يخص الأبناء، فإن أعظم ما تقومين به هو حمايتهم من التناقض القيمي، فلا تشهّري بأبيهم، ولا تقدّسيه، ولا تزيّفي الحقيقة؛ بل كوني أنتِ الميزان التربوي الذي يربطهم بالصدق، ويعلّمهم أن القدوة تُعرف بالأفعال لا بالمنابر.
وقد نُسِبَ إلى الإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- القول: (اعرف الحق تعرف أهله)، أما صورته الدعوية العامة، فليست مسؤوليتك وحدك، واعلمي أن الله لا يبارك في دعوة تُناقض السـريرة، وأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من القلب لا من الكاميرا.
وقد قال النبي ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».
وخلاصة الأمر أن ما نزل بكِ ابتلاء لا عار، وأن الصبر فضيلة حين يكون على طريق الإصلاح، لكنه ليس عبادة حين يكون على فساد دائم، وأن كرامتك، وسلامتك النفسية، ومستقبل أبنائك، مقدّمة على أي صورة اجتماعية أو دعوية زائفة.
نسأل الله العليّ القدير أن يجبر كسـرك، ويثبِّت قلبك، ويعوضك خيرًا عن ألمك، وأن يهدي زوجك هداية صادقة لا نفاق فيها ولا ادّعاء، وأن يصلح حال أبنائك، ويجعلهم قرّة عين لك، وأن يريكِ الحق حقًّا ويرزقك اتباعه، ويريكِ الباطل باطلًا ويرزقك اجتنابه، ويكتب لك من أمرك رشدًا وفرجًا وسكينة.
روابط ذات صلة:
صدمة القدوة.. ماذا أفعل حين أرى أبي الداعية يخون أمي؟
كيف أدعو وأنا أُذنِب؟! وهل للداعية أن يَسقُط؟