الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فقهية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
460 - رقم الاستشارة : 3112
30/10/2025
هل يجوز تعذيب المتهم لنزع الاعتراف منه ؟ بعض رجال الشرطة يقولون لا يمكنهم الوصول إلى الحقيقة إلا بهذه الطريقة فما حكم الشرع في هذه المسألة؟
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإن تعذيب المتهم، أيًّا كانت تهمته، لانتزاع الاعتراف منه هو حرام شرعًا، وهو من كبائر الذنوب وجرائم الظلم التي تتنافى مع مقاصد الشريعة الإسلامية وأصولها الراسخة. وهذا التحريم مبني على أصول قطعية من القرآن والسنة وقواعد الفقه الكلية.
فقد أجمع الفقهاء على صحة الإقرار، حيث إنه أقوى الأدلة أو سيد الأدلة، ويشترط الفقهاء لصحة الإقرار أن يكون المقر بالغًا عاقلاً مختارًا وضرب المتهم أو تعذيبه يخرجه عن حد الاختيار، وقد اتفق الفقهاء على حرمة تعذيب المتهم أو إكراهه على الإقرار إن لم تكن هناك قرينة على ارتكابه الجريمة، واختلفوا في حالة ما إذا كانت هناك قرينة، فمنعه جمهور الفقهاء وأجازه بعض الحنابلة وبعض الحنفية وفق شروط وضوابط قلما تتوفر في هذا الوقت، ومن ثمَّ نفتي برأي الجمهور لفساد الزمان، إلا أن يكون جاسوسًا أو محاربًا، وإليك التفصيل في الحكم والأدلة.
هنا يجب أن نفرق بين صورتين:
الأولى: تعذيب المتهم البريء الذي لم تثبت إدانته ولا توجد قرينه تدل على ارتكابه للجناية.
الثانية: تعذيب المتهم الذي توافرت القرينة على ارتكابه الجناية وهو ينكرها تهربًا من العقوبة.
حكم ضرب وتعذيب وإكراه المتهم البريء
لا يجوز شرعًا إكراه المتهم البريء على ارتكاب فعل لم يرتكبه سواء أكان هذا الإكراه بالتعذيب أو التخويف والتهديد ونحوه، فإذا أكره المتهم على شيء فلا يعتد بإقراره ولا يؤاخذ به، وقد دل الكتاب والسنة على ذلك.
يقول الله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: 106].
جاء في المغني: "جعل الإكراه مسقطًا لحكم الكفر فبالأولى ما عداه".
ومن السنة: عن َ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ".
تعذيب المتهم المتوافر له قرينة الإدانة
أما تعذيب المتهم المتوافر له قرينة الإدانة فقد اختلف الفقهاء في حكم تعذيبه على رأيين:
الأول: منع تعذيب المتهم وهو رأي الجمهور.
يرى الجمهور عدم جواز تعذيب الجاني بأي حال حتى لو توافرت قرينة ترجح ارتكاب الجناية؛ لأن عموم الكتاب والسنة يمنع تعذيب أي إنسان متهم.
الثاني: الجواز مع وجود القرينة، وهو رأي ابن تيمية وتلميذه ابن القيم من الحنابلة والطرابلسي وابن نجيم والحسن زياد من الحنفية.
فقد ذهب هؤلاء إلى جواز تعذيب المتهم الذي توافرت القرائن القوية على ارتكابه الجريمة وهو يجحد الحق.
وقد استدلوا بعدة أدلة منها:
1. عن ابن عمر قال: أتى رسول الله ﷺ أهل خيبر فقاتلهم حتى ألجأهم إلى قصرهم وغلبهم على الأرض والزرع والنخل فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم. وفي هذه الرواية أن النبي ﷺ أذن لبعض أصحابه بضرب عم لحيي بن أخطب حتى أخرج ما خبأه عنهم من المال.
2. وكذلك حديث المرأة التي حملت رسالة من حاطب أبن أبي بلتعة وهددها الصحابة بأن تخرج الكتاب أو تلقي الثياب.
الشروط التي وضعها المجيزيون
وقد وضع الفقهاء المجيزون شروطًا لا بد من توافرها لكي يقبل إقراره حال ضربه، وهي:
1ـ ألا يكون هناك وسيلة أخرى يمكن التوصل بها إلى إقراره.
2ـ أن يتأكد القاضي أن الإقرار صدر من المتهم مطابقًا للواقع لا خوفًا من الضرب.
3ـ أن يظهر للقاضي فسق المتهم وسوء سلوكه مما يرجع التهمة في حقه.
4ـ ألا يكون ذلك في جرائم الحدود التي تدرأ بالشبهات.
الرأي المختار
الرأي الذي نميل إليه بعد عرض أدلة الفريقين هو الجمع بين المذهبين على النحو الآتي:
أولاً: الأصل والراجح ـ هو مذهب الجمهور ـ عدم تعذيب المتهم بأي حال للاعتراف بالجريمة حتى مع توافر الشروط التي ذكرها المجيزون لعدة أسباب:
1ـ أن الرواية التي استدل بها المجيزون التي تفيد التعذيب لعم حيي بن أخطب ذكرها البيهقي في سننه ولم ترد هذه الزيادة في كتب الصحاح أو السنن الأخرى؛ ما يدل على أنها زيادة مترددة بين الثبوت وبين النفي.
2ـ حديث الظعينة التهمة فيه ثابتة بعلم النبي ﷺ فلا يحتاج إلى قرينة وكل ما فعله الصحابة هو تنفيذ أمر النبي عليه السلام لا تنفيذ العقوبة.
3ـ لو فتحنا هذا الباب فإنه يكون ذريعة لضعاف النفوس من الانتقام لمعارضيهم، وتلفيق التهم لهم لإكراههم على ارتكاب جرائم لم يرتكبوها فتحقق بذلك مآرب التشفي والانتقام من كل معارض للباطل إذا مُكِن منه.
4ـ أن التعذيب فيه إهانة لكرامة الإنسان الذي خلقه الله وفضله على سائر مخلوقاته في قوله: (ولقد كرمنا بني آدم). وفيه منافاة لمبدأ الرحمة والرأفة التي جاء بها الإسلام وجعلها صفة خلقية لرسول الأنام في قوله تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ).
ثانيًا: يعمل بالرأي الثاني مع مراعاة الشروط والضوابط الخاصة التي ذكروها في حالات خاصة، مثل: حالات نقض العهد، حالات الحرب، وحالات الخيانة العظمى التي تمثل اعتداء على استقرار الدولة وأمن مواطنيها من الأعداء.
وهذا الرأي مستنده الروايات التي ذكرناها عن المجيزين حيث كانت في حالات خاصة وعلى فرض ثبوت الرواية الزائدة في حديث التعذيب لعم حيي. وحديث تهديد الظعينة.
كما أن المتفق عليه بين الفقهاء أنه يجوز التهديد بالعقاب لمن عرف الحق عنده يقينًا وهو يجحده حتى يؤدي ما عليه.
والله تعالى أعلى وأعلم.