الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الأخلاق والمعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
11 - رقم الاستشارة : 5521
07/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أنا مدير في إحدى الشركات ومن ضمن صلاحياتي اختيار الموظفين وتعيينهم وقد حصل معي موقف لا يفارق ذهني خاصة بعد أن حضرت خطبة الجمعة وكان الخطيب يتحدث عن قول النبي ﷺ إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة وذكر من أمثلة ذلك أن يقدم شخص بسبب القرابة أو الواسطة مع وجود من هو أكفأ منه.
الذي حصل معي أن والدتي طلبت مني أن أوظف أحد أقاربي فاستجبت لها رغبة في برها وإرضائها مع أني كنت أعلم أن هناك شابًا آخر تقدم للوظيفة وهو أكثر كفاءة وخبرة وأمانة وأنسب لهذا المنصب لكني اعتذرت منه ووظفت قريبي بدلًا عنه ومنذ ذلك اليوم وأنا أشعر بتأنيب ضمير شديد وأصبحت أتساءل هل ما فعلته كان برًا بوالدتي يؤجرني الله عليه أم أني وقعت في معصية لأنني لم أضع الشخص المناسب في المكان المناسب وهل أكون قد ظلمت المتقدم الأكفأ وأضعت حقه وربما ألحقت ضررًا بالشركة وبمصالح الناس لأن الموظف غير الكفء قد يؤثر على سير العمل كله.
وأصبحت أفكر كثيرًا إذا تعارض بر الوالدين مع الأمانة الوظيفية فماذا يقدم المسلم وهل يجوز أن يطيع والديه في مثل هذا الأمر أم أن الأمانة والعدل في اختيار الأكفأ مقدمان حتى لو أغضب ذلك الوالدين وهل تعتبر نية بر الوالدين عذرًا في مثل هذه الحالة أم أنها لا ترفع الإثم إذا كان في القرار ظلم أو تضييع للأمانة.
أرجو منكم بيان الحكم الشرعي في هذه المسألة فقد أصبحت أخاف أن أكون قد حملت وزرًا وأنا أظن أني أحسن العمل وأسأل الله أن يهديني إلى الحق ويغفر لي إن كنت قد أخطأت وجزاكم الله خيرًا
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك
معنا، وأسأل الله أن يبارك فيك، وأن يحيي قلبك بنور الإيمان، وأن يهديك إلى الحق
والعدل، ويغفر لك ما كان من خطأ، ويوفقك لما يحبه ويرضاه، وبعد...
فإن
ما تشعر به من تأنيب الضمير هو علامة من علامات حياة قلبك وخوفك من الله تعالى،
وهذه نعمة جليلة تستوجب الشكر؛ فإن المؤمن يرى ذنبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع
عليه. والموقف الذي مررت به يمثل في حقيقته ابتلاءً ومعضلة من معضلات السلوك
الإداري والشرعي، حيث اشتبك فيه مفهوم جليل وهو بر الوالدين، بمفهوم جليل آخر وهو
الأمانة والعدل الوظيفي.
الأسلوب
الشرعي في اختيار الموظفين
أخي
الكريم، إن المناصب والوظائف وصلاحيات التعيين في المؤسسات والشركات ليست منحة
شخصية يُتصرَّف فيها بناءً على الأهواء أو العلاقات أو الوساطات؛ بل هي أمانة
يُسأل عنها المرء يوم القيامة أمام الله تعالى.
وقد
وضع الشرع الحنيف معيارين أساسيين للتوظيف والاستئجار، تجلَّيا في قوله تعالى على
لسان إحدى ابنتي شعيب: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾
[القصص: 26]. فالقوة تعني الكفاءة والخبرة والقدرة على أداء المهمة، والأمانة تعني
الخوف من الله والنزاهة والصدق.
ومتى
ما قدَّم المسؤول شخصًا أقل كفاءة لمجرد القرابة أو الواسطة محاباةً، مع وجود من
هو أكفأ وأصلح منه، فقد وقع في الخيانة والتضييع للأمانة. وقد قال النبي ﷺ: «إِذَا
وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» [رواه البخاري].
وقال ﷺ في حديث آخر أشد: «مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا
فَوَلَّى رَجُلًا وَهُوَ يَجِدُ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُ،
فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ» [رواه البيهقي].
فتقديم
القريب الأقل كفاءة على غيره الأكثر كفاءة هو تعدٍّ على الأمانة، ومحسوبية محرمة
شرعًا.
إذا
تعارض البر مع الأمانة.. أيهما يقدَّم؟
بر
الوالدين من أعظم القربات وأجل الطاعات التي قرنها الله -عز وجل- بعبادته، لكن
البر له ضابطان شرعيان لازمان، وهما:
1- الطاعة في المعروف فقط: طاعة الوالدين
ليست مطلقة؛ بل هي مقيدة بألا تكون في معصية أو ظلم لآدمي، قال النبي ﷺ: «لَا
طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» [متفق عليه]. فلا
طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وإذا
طلبت الوالدة توظيف قريب وهو غير كفء، أو تحبه وتفضله على من هو أكفأ منه، فإن
طلبها هنا يتضمن تعديًا على حق الشركة وحق المتقدم الأكفأ، فلا تجوز طاعتها في هذا
التعيين؛ بل يجب الاعتذار لها بأدب ولطف.
2- العدل مقدَّم على كل علاقة: قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ
لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾
[النساء: 135]. وهذه الآية صريحة في أن الاستقامة على القسط والعدل تُقدَّم على
ميل النفس نحو الوالدين والأقربين.
هل
وقع الظلم؟ وعلى مَن وقع؟
نعم،
إن قرار استبعاد الشاب الأكفأ وتعيين القريب قد ترتب عليه ظلم مركَّب شمل ثلاثة
أطراف:
1- ظلم المتقدم الأكفأ: بحرمانه من حقه
الذي ناله بناء على المعايير والتنافس الشريف، وإشعاره بالخذلان رغم اجتهاده
وتفوقه.
2- ظلم جهة العمل: بإسناد العمل لمن هو أقل كفاءة،
مما يؤثر سلبًا على جودة الأداء والإنتاجية ومصالح العمل ومصالح الناس المتعاملين
مع الشركة.
3- ظلم القريب المعيَّن: بوضعه في منصب
يفوق قدراته، أو لا يستحقه، مما قد يعرِّضه للتقصير والوقوع في الحرام إن كان يأخذ
أجرًا لا يستحقه لعدم قيامه بالعمل على الوجه الأكمل.
هل
نية بر الوالدين عذر يرفع الإثم؟
يا
أخي الكريم، إن النية الصالحة لا تصحح العمل الفاسد، ولا تجعل المحرَّم مباحًا،
كما أن القصد الحسن لا يشرع الوسيلة المحرمة، فالغاية -في ديننا- لا تبرر أبدًا
الوسيلة.
إن
قصد إرضاء الوالدة ومحبة برها قصد شريف ونبيل، لكنك سلكت طريقًا محظورًا وهو هضم
حق أحد الناس. لذلك، فإن نية البر تخفف شائبة التعمد في الإضرار؛ لكنها لا ترفع
الإثم بالكامل، ولا تسقط التبعة والمسؤولية عن الظلم الذي وقع.
وقد
كان أصحاب النبي ﷺ والتابعون يفرون من تقديم الأقارب في الولايات والوظائف فرارهم
من النار. فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا عيَّن واليًا اشترط عليه ألا
يخص أقاربه ولا يفضلهم.
وروي
عن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- أنه دخل عليه بعض أقاربه يطلبون منه التولية
والوظائف، فاعتذر لهم وقال: «إني أردت أن أكون أعدل الناس، وإن أقربكم مني يطلب
مني ما لا أملك، وإن أحق الناس بالعمل من كان أقدر عليه».
حلول
عملية لتدارك الخطأ والتكفير عنه
بما
أنك أدركت خطأك وشعرت بالندم، فإن باب التوبة مفتوح، وعليك اتخاذ خطوات عملية لرفع
هذا الحرج وتدارك آثار ما جرى، ومنها:
1- التوبة الصادقة والاستغفار، والندم على ما كان، والعزم على ألا
تعود لمثل هذا التصرف أبدًا، والدعاء للشاب الذي حرمته حقه.
2- تواصل مع الشاب المظلوم واعتذر له إن كان ذلك ممكنًا، ولن يسبب
مفاسد. وإذا ظهرت فرصة وظيفية جديدة في الشركة تناسبه، فبادر إلى ترشيحه وتفضيله.
وإن لم تتيسر له فرصة لديك، فاحرص على تزكيته وترشيحه لجهات أخرى تعرفها.
3- بما أن قريبك قد تم تعيينه وأصبحت معيشته مرتبطة بذلك، فعليك
متابعته بجدية ووضع برنامج تدريبي مكثف له لتطوير قدراته، حتى يصل إلى الكفاءة
المطلوبة للوظيفة، وبذلك تدرأ عن الشركة الضرر.
4- اطلب من إدارة الشركة وضع لجنة اختيار معلنة المعايير ومكونة من
عدة أعضاء، بحيث لا يكون القرار بيدك وحدك مستقبلًا، مما يرفع عنك الحرج أمام
الأقارب والوالدين.
منهجية
التعامل مع الوالدة مستقبلًا:
بيِّن
لوالدتك -بلطف ولين ودون إغضابها- أن التعيين في شركتك يخضع للوائح رسمية ومقابلات
واختبارات موضوعية. وعوِّضها ببرها من مالك الخاص؛ كأن تعطي قريبك مالًا، أو
تساعده في البحث عن وظيفة أخرى مناسبة لقدراته، دون أن تتجاوز الأمانة الوظيفية.
وختامًا
أخي الكريم، إن حرصك على إبراء ذمتك ومحاسبتك لنفسك دليل خير وإيمان، ولا يزال
المسلم بخير ما دام ضميره حيًّا. فلا تيأس من رحمة الله، بل اجعل هذا الموقف درسًا
يثبت أقدامك على الحق في قادم الأيام.
أسأل
الله العلي القدير أن يغفر لك ذنبك، وأن يتجاوز عن خطئك، وأن يشرح صدرك للهداية،
وأن يوفقك لبر والدتك بالمعروف، وأن يرزقك الأمانة والعدل في قولك وعملك، وأن يعوض
الشاب المظلوم خيرًا في دينه ودنياه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلِّ اللهم
وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط
ذات صلة: