الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : فئات المدعوين
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
27 - رقم الاستشارة : 5626
17/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أنا داعية وإمام مسجد في أحد الأحياء، وقد لاحظت تزايدًا مقلقًا في حالات العنف الأسري بين الأزواج، حيث تصلنا شكاوى من نساء يتعرضن للضرب والسب والحرمان، ومن أطفال يعيشون في بيئات مضطربة، كما أن بعض الرجال يشكون من تعنت زوجاتهم وعنادهن. المشكلة أن هذه القضايا تظل خلف الأبواب المغلقة، والناس يتحرجون من الحديث عنها، ولا يجدون من ينصحهم أو يرشدهم.
المسجد يقتصر دوره حاليًا على الصلاة فقط، ولا توجد برامج توعوية أو استشارات أسرية، فكيف يمكننا تفعيل دور المسجد ليصبح مركزًا لإصلاح ذات البين، ومعالجة هذه القضايا الأسرية المعقدة بحكمة ورفق، مع الحفاظ على خصوصية الأسر وكرامتها؟ وما هي الآليات العملية لذلك؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياكم الله أيها الداعية الفطن، ونفع بكم وبجهودكم المخلصة.
إن ما تفضلتم
بذكره من تفاقم ظاهرة العنف الأسري هو جرس إنذار خطير يجب أن ينتبه إليه كل داعية
ومربٍ ومؤسسة دعوية، فهذه القضية من أخطر القضايا الاجتماعية التي تهدد تماسك
الأسر المسلمة، وتنعكس سلبًا على الأبناء والمجتمع بأسره. إن استمرار الصمت
والتجاهل لهذه المشكلة هو بمثابة تغطية على جرح ينزف، وهو يخالف التوجيه الرباني
الذي أمرنا بالإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ
اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ
وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. والظلم والبغي داخل البيوت هو أعظم المنكرات
وأشدها ضررًا.
إن دور المسجد ينبغي
ألا يقتصر على الصلاة والخطب الدينية المجردة، بل هو المركز الحيوي للمجتمع
المسلم، وقد كان رسول الله ﷺ يجعل المسجد منبرًا لحل النزاعات، ومكانًا للاجتماعات
والمشاورات، وحلقة للتعليم والتربية، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن أهل قباء
اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال: اذهبوا بنا نصلح
بينهم. [رواه البخاري].
هذا الموقف
النبوي يضع أمامنا منهجًا عمليًّا في جعل المسجد مركزًا لإصلاح ذات البين، وموطنًا
لمعالجة المشكلات الأسرية، وتحصين المجتمع من التفكك.
لتفعيل دور
المسجد في معالجة العنف الأسري، أقترح بناء استراتيجية دعوية متكاملة تقوم على عدة
محاور:
أولاً: إنشاء
وحدة استشارية أسرية داخل المسجد، تتكون من نخبة من العلماء المختصين في الفقه
والأسرة، والمعالجين النفسيين، والمرشدين الاجتماعيين، وتكون هذه الوحدة على اتصال
دائم بالمصلين، وتقدم الاستشارات الفردية والجماعية بسرية تامة، وتقوم بعقد دورات
توعوية دورية عن حقوق الزوجين، وآداب الخلاف، وسبل التعامل الحكيم مع المشكلات
الزوجية.
وهذا يتطلب
"تأهيلاً علميًّا" خاصًّا لهؤلاء المستشارين في فقه الأسرة، وفقه
المعاملات، وأحكام النشوز والخلع والطلاق، وقواعد العشرة بالمعروف، حتى يكونوا
مرجعية ثقة لأهل الحي. كما ينبغي أن يكون لديهم مهارات في فن الاستماع والحوار
والإرشاد، وهذا ما نسميه "التأهيل المهاري للدعاة" في مجال التعامل مع
الحالات النفسية والاجتماعية الصعبة.
ثانيًا: إطلاق
برنامج توعوي تثقيفي مستمر بعنوان "بيوتنا جنة"، يكون على شكل محاضرات
أسبوعية أو شهرية، وندوات وحلقات نقاش، تتناول مواضيع مثل: فن التعامل بين
الزوجين، وكيفية حل الخلافات الزوجية، وأثر العنف على الأطفال، وكيف نربي أبناءنا
على الحوار والاحترام، وأهمية القدوة الحسنة بين الوالدين، وقيمة الصبر والعفو
والتسامح في الحياة الزوجية.
ويمكن تنويع
أساليب الطرح بين المحاضرات المباشرة، واللقاءات المفتوحة، والمناقشات الجماعية،
والاستفادة من الوسائل السمعية والبصرية الحديثة لعرض قصص واقعية وحلول ناجحة.
والتركيز على "الأسلوب العاطفي" في هذه البرامج؛ لأن مخاطبة القلوب
والمشاعر أقرب إلى النفوس وأسرع في التأثير، خاصة في قضايا الأسرة التي تتسم
بالحميمية والعاطفة.
ثالثًا: تفعيل
دور القيادات النسائية في المسجد، من خلال تخصيص لجنة نسائية متخصصة تُعنى بالنساء
وتوعيتهن بحقوقهن وواجباتهن، وتقدم لهن الدعم النفسي والمشورة الأسرية، وتكون حلقة
وصل بين النساء والوحدة الاستشارية في المسجد، وهذا يعزز مبدأ "توفر العنصر
النسائي في القائمين على التأهيل"، لأن النساء أكثر قدرة على التواصل مع
النساء وفهم مشاكلهن والتعاطف معها، وإيجاد الحلول المناسبة التي تراعي خصوصية كل
حالة.
وختامًا، أوصيكم
بتوصيات عملية:
• احرصوا على توثيق الحالات التي تصل إليكم
وتقديم تقارير دورية للجهات المعنية في حالات العنف الشديدة، مع الحفاظ على سرية
المعلومات وكرامة الأسر.
• ابحثوا عن
شركاء من المؤسسات الحكومية والأهلية المتخصصة في مجال حماية الأسرة، لتتعاونوا في
إقامة البرامج وتبادل الخبرات، وتقديم الدعم القانوني والنفسي المتخصص للمتضررين.
• لا تنسوا
الاهتمام بتربية النشء على ثقافة الحوار والاحترام المتبادل، من خلال حلقات تحفيظ
القرآن التي تدمج بين تعليم الكتاب والسنة وغرس القيم الأسرية والأخلاقية الفاضلة.
أسأل الله أن
يبارك مسعاكم، ويهدي قلوب المتخاصمين، ويصلح ذات بينهم، ويجمع كلمة المسلمين على
البر والتقوى، ويجعل بيوتنا عامرة بالذكر والمحبة.
روابط ذات صلة:
كيف نطور ميدان الدعوة المجتمعية داخل المسجد لحماية الكيان الأسري؟