الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : فئات المدعوين
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
12 - رقم الاستشارة : 5119
20/06/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا شاب أعمل في مجال الإصلاح الأسري والتوجيه الاجتماعي، وألاحظ في كثير من البيوت مشكلة تكاد تتكرر بصورة مؤلمة، وهي الجفاف العاطفي والقسوة في التعامل بين أفراد الأسرة؛ فهناك آباء يظنون أن التربية تعني الأوامر فقط، وأمهات غلب عليهن التوتر والانشغال، وأبناء يعيشون فراغًا عاطفيًّا رغم توفر الطعام والملبس وكل الاحتياجات المادية.
بل إن بعض الشباب والفتيات صاروا يبحثون عن الاهتمام والاحتواء خارج الأسرة بسبب فقدان الدفء داخل البيت، مما يوقع بعضهم في علاقات خاطئة أو اضطرابات نفسية وسلوكية. فكيف يمكن للداعية أو المربي أن يعيد للبيوت معنى الرحمة والمودة والتواصل الإنساني في هذا الزمن المزدحم؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياك الله أيها الأخ المبارك، وبارك الله في اهتمامك بهذه
القضية المهمة، فإن كثيرًا من المشكلات النفسية والسلوكية التي نراها اليوم ليست
ناتجة عن الفقر المادي بقدر ما هي نتيجة الفقر العاطفي وضعف الروابط الإنسانية
داخل الأسرة.
وقد جعل الله
تعالى الأسرة قائمة على معاني السكينة والمودة والرحمة، فقال سبحانه: ﴿وَمِنْ
آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا
وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، فالأصل في البيت المسلم أن يكون
مأوى نفسيًّا وروحيًّا، لا مجرد مكان للسكن الجسدي فقط.
ومن الأخطاء
الشائعة أن بعض الناس يظنون أن توفير المال أو الدراسة أو الاحتياجات الظاهرة يكفي
لبناء أسرة مستقرة، بينما الإنسان يحتاج كذلك إلى الكلمة الطيبة، والاحتواء،
والشعور بالتقدير والاهتمام. وقد كان النبي ﷺ وهو أعظم الخلق وأشرفهم أكثر الناس
رحمة ولطفًا بأهله وأولاده.
والقسوة العاطفية
لا تظهر دائمًا في صورة صراخ أو عنف، بل أحيانًا تكون في التجاهل المستمر، أو غياب
الحوار، أو انشغال كل فرد بعالمه الخاص، حتى يصبح أفراد الأسرة غرباء يعيشون تحت
سقف واحد.
ولهذا فإن من
أعظم ما يحتاجه الناس اليوم إعادة إحياء ثقافة (الوجود الحقيقي) داخل البيوت؛
جلسات أسرية، حوار، اهتمام بالمشاعر، مشاركة في الأفراح والأحزان، استماع حقيقي
للأبناء؛ لأن كثيرًا من الأبناء لا يريدون حلولًا بقدر ما يريدون أن يشعروا أن
هناك من يفهمهم ويهتم بهم.
كما أن الرحمة في
التربية لا تعني ضعف الشخصية أو غياب الحزم، بل تعني التوازن بين التوجيه
والاحتواء. وقد كان النبي ﷺ يجمع بين الهيبة والرحمة، حتى إن الأطفال كانوا يحبونه
ويقتربون منه دون خوف أو نفور.
ومن المهم كذلك
أن يعي الآباء والأمهات خطورة الإدمان الرقمي داخل البيت، فبعض الأسر تعيش عزلة
صامتة؛ كل فرد ممسك بجهازه ساعات طويلة، حتى ضعفت الروابط والكلمات والمشاعر
المشتركة. ولذلك فإن تخصيص أوقات خالية من الهواتف للتواصل الأسري أصبح ضرورة
تربوية لا ترفًا.
والداعية أو
المصلح حين يعالج هذه القضايا ينبغي أن يبتعد عن لغة الاتهام القاسية؛ لأن كثيرًا
من الآباء أنفسهم مرهقون نفسيًّا ومضغوطون معيشيًّا، ويحتاجون هم أيضًا إلى
التوجيه والرحمة والتفهم.
ومن الوسائل
النافعة كذلك نشر النماذج النبوية في الرحمة الأسرية، مثل ملاطفة النبي ﷺ لأهله،
وحسن تعامله مع الأطفال، واهتمامه بالمشاعر الإنسانية؛ لأن الناس أحيانًا يظنون أن
التدين يقتصر على العبادات الظاهرة بينما يغفلون عن أخلاق الرحمة واللين داخل
البيوت.
نسأل الله أن
يصلح بيوت المسلمين، وأن يملأها مودة ورحمة وسكينة، وأن يرزق الآباء والأمهات
الحكمة والرفق، وأن يحفظ أبناء المسلمين من الانحراف والضياع والفراغ العاطفي.
روابط ذات صلة:
كيف نتعامل دعويًّا مع ظاهرة التفكك الأسري بين الشباب؟