الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الأطفال
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
231 - رقم الاستشارة : 3522
07/12/2025
أنا بجد وصلت لمرحلة خلاص على آخري... بنتي اللهم بارك هتتم سنة كمان كام يوم، بس من يوم ما اتولدت وهي نومها صعب، والموضوع بقى يزيد كل ما تكبر. طول الليل قلق ورخامه وصُحيان على طول… ممكن تصحى فوق ٢٠ مرة، أوقات أكتر، وكأنها مش عايزة تسيبني أنام ولا دقيقة.
أنا بقيت بنام على فترات صغيرة ومتقطعة، وكل يوم بصحى جسمي مكسر وأعصابي مشدودة. جربت أغيّر نظامها، أعمل روتين للنوم، أديها حمّام دافي قبل ما تنام، أطفّي النور، أشغل ضوضاء… مفيش حاجة فرقت معاها.
مبقاش عندي طاقة أتعامل طول النهار، وبقيت بعيط من الإرهاق. مش عارفة هل ده طبيعي ولا أنا اللي بعمل حاجة غلط؟ وهل في حل للبكاء والقلقان ده ولا هستمر كده لحد ما تكبر؟
غاليتي.. أشعر بك وبكل ما تمرّين به، وأقدّر تعبك وإرهاقك؛ فالسهر المتكرر مع طفلة في عامها الأول ليس أمرًا هيّنًا على قلب أم ولا على جسدها.
لكن اطمئني: أنتِ لا تفعلين شيئًا خاطئًا، وما تمرّين به يندرج تحت ما يسميه علم النفس التربوي الأسري (Normal Developmental Sleep Disruptions)، أي "الاضطرابات الطبيعية المرتبطة بنمو الطفل".
أولًا: لماذا تستيقظ طفلتك كل هذا العدد من المرات؟
وفقًا لعلم نفس النمو، يمرّ الطفل في سنّ ما قبل العامين بمرحلة شديدة الحساسية يسمّيها المختصون (Separation Anxiety Phase)؛ وهي مرحلة يخشى فيها الصغير الانفصال عن أمه ولو لثوانٍ، فيبحث عنها في الليل بكثرة ليطمئن أن "مصدر الأمان" ما زال بقربه.
كما أنّ النوم عند الأطفال ليس "عميقًا" مثل نوم الكبار، بل يعتمد على دورات قصيرة تسمى (Light Sleep Cycles)، فينتقل الطفل بين النوم واليقظة بسهولة، ولا يملك بعد القدرة العصبية على تهدئة نفسه.
ولذلك فاستيقاظها المتكرر سلوك متوافق مع المرحلة العمرية لا يدلّ على مشكلة طبية في أغلب الحالات.
ثانيًا: هل تعبكِ مبرَّر؟
نعم.. بل إن النبي ﷺ وصّى بالأم حين وصف أن "الجنة تحت أقدام الأمهات"، لما في الأمومة من مشقة وصبر، وهذا التعب الذي تشعرين به ليس تقصيرًا منك، بل دلالة على شدة عطائك.
والله تعالى إذ يكرم الأم في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ليس من فراغ لكن حتى مشاعر الإرهاق التي تعيشها الأم جزء من هذا الدور العظيم، وأنك مأجورة عليه بإذن الله تعالى.
ثالثًا: ما الذي تستطيعين فعله الآن بشكل واقعي؟
سأعطيكِ خطوات تربوية نفسية واقعية، لا وعودًا وردية:
1. ثبّتي روتينًا للنوم.. حتى لو لم ينجح أول أسبوعين.. فالروتين المتكرر يوميًّا يساعد دماغ الطفلة نوعًا ما على ضبط ساعتها البيولوجية .
2. تقليل فترات النوم النهاري قدر المستطاع.. الهدف أن تأتي لليل وهي لديها حاجة بيولوجية للنوم.
3. تدريب التهدئة بالتدريج.. لا نتركها تبكي.. لكن نساعدها على التهدئة دون رفعها فورًا.
هذا ما يسمى في العلم (Gradual Soothing Method).
4. لمسات قصيرة متكررة.. الربت على الظهر، وضع اليد على الصدر، كلمات هامسة.. كلها تساعد على تكوين مهارة التنظبم العاطفي (Emotional Regulation) عند الطفل.
5. استعيني بمن حولك.. إن أمكن لكِ أن ينام أحد قريبك يومًا مكانك أو يساعدك في النهار، فافعلي، فالأم التي تنام ساعتين أو ثلاثًا فقط لا يمكن أن تستمر دون استنزاف.
6. ولا بد من استشارة طبيب عند وجود مؤشرات غير طبيعية.. مثل صراخ حاد أثناء النوم، أو حرارة مستمرة، أو توقف مفاجئ عن الأكل. لكن من كلامك لا يبدو أن هناك ما يقلق طبيًّا.
وأخيرًا، أرجوكِ اهدئي عزيزتي الأم.. لأن طفلتك لا "تتدلل عليك" ولا "تستهدفك". هي فقط ما زالت تتعلم كيف تنام، كيف تنفصل قليلًا، وكيف تطمئن. وكل هذا يحدث داخل دماغ صغير يتشكل كل يوم.
وستندهشين حين تبلغ عمر ١٨–٢٤ شهرًا كيف تختلف أنماط النوم فجأة، وكيف يهدأ هذا الليل المتعب إن شاء الله تعالى.
واذكري دائمًا قول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وإن كان سبحانه قد ابتلاك بهذا الدور فهو يعلم فيكِ قوة لا ترينها أنتِ الآن.
* وهمسة أخيرة للأم الصغيرة:
أنتِ أم جيدة، بل ممتازة. وطفلتك تنمو بشكل طبيعي. وما تعيشينه اليوم مرحلة مؤقتة ستمر على خير بإذن الله تعالى.
روابط ذات صلة: